أصبحت السعودية في صدارة الدول العربية من حيث عدد مراكز البيانات العاملة، في مؤشر جديد على تسارع بناء بنيتها التحتية الرقمية وتوسّع حضورها في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وبحسب بيانات منصة متخصصة في تتبع مراكز البيانات حول العالم، يبلغ عدد المراكز العاملة في المملكة 60 مركزاً، لتتقدم على الإمارات التي سجلت 57 مركزاً، بينما جاءت سلطنة عمان ثالثة بـ15 مركزاً.
هذا الترتيب يعكس انتقالاً واضحاً في أولويات الاستثمار التقني داخل المملكة، حيث لم تعد البنية الرقمية مجرد عنصر داعم، بل أصبحت جزءاً مركزياً من خطط النمو الاقتصادي وتطوير الخدمات الحكومية والقطاع الخاص.
استثمارات تقود توسع القطاع
شهدت السوق السعودية خلال السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في المشاريع المرتبطة بمراكز البيانات، مدفوعة بتنامي الطلب على الخدمات السحابية، وارتفاع استخدام التطبيقات الرقمية، واتساع الاعتماد على الأنظمة القائمة على البيانات في المؤسسات.
كما استفادت هذه السوق من دخول شركات التكنولوجيا العالمية ومزودي الخدمات السحابية الذين يبحثون عن مواقع قادرة على توفير بنية تقنية مستقرة وآمنة، مع قدرة على استيعاب الأحجام الضخمة من البيانات والعمليات التشغيلية.
وتُعد مراكز البيانات من ركائز الاقتصاد الرقمي، لأنها تشكل البيئة التي تعمل ضمنها المنصات الرقمية والتطبيقات المؤسسية وحلول الذكاء الاصطناعي وأنظمة التخزين والمعالجة المتقدمة.
منافسة عربية على جذب البنية الرقمية
رغم تقدم السعودية، تشير الأرقام إلى أن المنافسة الإقليمية لا تزال مفتوحة، خصوصاً مع سعي دول عربية أخرى إلى تعزيز جاهزيتها الرقمية واستقطاب المزيد من الاستثمارات التقنية.
فالإمارات تواصل الحفاظ على موقع متقدم في هذا المجال بفضل بنيتها الاقتصادية والتقنية، فيما تعمل سلطنة عمان على تطوير موقعها في الربط الدولي ومشروعات الكابلات البحرية. كما تظهر دول مثل المغرب ومصر وقطر والأردن والبحرين والجزائر وليبيا ضمن الخريطة العربية المتنامية لمراكز البيانات.
ويشير هذا التوزيع إلى أن المنطقة تشهد سباقاً على بناء منظومات رقمية أكثر قدرة على دعم الأعمال والخدمات الحديثة، خصوصاً مع تصاعد أهمية البيانات كمورد اقتصادي واستراتيجي.
الذكاء الاصطناعي يرفع الحاجة إلى السعة الحوسبية
يتزامن نمو مراكز البيانات في السعودية والمنطقة مع الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب قدرات معالجة عالية وسرعات استجابة كبيرة وسعة تخزين مرنة.
ومع توسع الشركات والحكومات في استخدام الأدوات الذكية وتحليل البيانات الضخمة، ارتفع الطلب على الخوادم المتقدمة وحلول التخزين السحابي والبنية التحتية القادرة على دعم الأحمال التشغيلية الثقيلة.
هذا الاتجاه جعل مراكز البيانات من أكثر القطاعات ارتباطاً بالموجة التقنية الحالية، إذ لم تعد وظيفتها مقتصرة على الاستضافة التقليدية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل تطوير المنتجات الرقمية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتسريع الابتكار.
وتنعكس هذه التحولات على قطاعات متعددة، من بينها الخدمات المالية، والرعاية الصحية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية، حيث أصبح الاعتماد على البيانات أساسياً في تحسين الأداء وتقديم الخدمات.
ارتباط مباشر بأهداف التحول الرقمي
يتقاطع هذا النمو مع مستهدفات التحول الرقمي في السعودية ضمن رؤية 2030، التي تدفع نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وتعزيز دور التقنية في خلق فرص جديدة للنمو والاستثمار.
كما أن توسع مراكز البيانات يدعم مشروعات المدن الذكية، والخدمات المؤتمتة، والأنظمة الحكومية الرقمية، ويمنح الشركات المحلية والعالمية بيئة أكثر ملاءمة لتوسيع أعمالها داخل السوق السعودية.
ومن المتوقع أن يزداد هذا الزخم خلال السنوات المقبلة مع استمرار الاستثمار في الحوسبة السحابية، والبنية التحتية للاتصالات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنامي الطلب على خدمات معالجة البيانات داخل المملكة بدلاً من الاعتماد على مراكز خارجية.
وبهذا، لا تبدو السعودية مجرد سوق واعدة في مجال البنية التحتية الرقمية، بل طرفاً رئيسياً في تشكيل المشهد التقني العربي، مع قدرة متنامية على التحول إلى مركز إقليمي للبيانات والخدمات الرقمية.