تتطور الشركات الناشئة في العراق ضمن ظروف تختلف عن كثير من الأسواق التي ترتبط فيها ريادة الأعمال بفكرة "تعطيل" القطاعات التقليدية أو خلق نماذج أعمال سريعة التوسع. في الحالة العراقية، تبدو الأولوية أكثر مباشرة: إعادة بناء الخدمات الأساسية التي ما زالت تعاني من ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وتأخر الأطر التنظيمية.
هذا الواقع لا يعني نقصاً في الأفكار أو غياباً للطموح بين المؤسسين. المشكلة الأهم تكمن في البيئة المحيطة بالمشروع: اتصال غير مستقر، خدمات أساسية متذبذبة، ومؤسسات لا تزال في طور التكيف مع الاقتصاد الرقمي. لذلك تميل الشركات الناشئة المحلية إلى تطوير أدوات عملية قابلة للاستخدام الفوري، بدلاً من التركيز على تقنيات معقدة لا تناسب احتياجات السوق الحالية.
المشهد الناشئ في العراق يقدم نموذجاً مختلفاً لريادة الأعمال، حيث تصبح الشركة الجديدة جزءاً من عملية ترميم اقتصادي ومؤسسي، وليس مجرد مشروع تجاري يبحث عن نمو سريع. وتظهر هذه المقاربة بوضوح في قطاعات مثل الزراعة والرعاية الصحية.
حاضنات الأعمال كمساحة لتجربة السوق
في مدينة الموصل، التي ما زالت تتعامل مع آثار سنوات من الصراع، ظهرت مبادرات تحاول توفير بيئة أكثر استقراراً للمؤسسين. من بين هذه المبادرات مختبر QAF Lab، وهو حاضنة أعمال ربحية تأسست في عام 2019 على يد محمد السامرائي ومحمد الهاشمي وزين الهاشمي.
فكرة الحاضنة تقوم على منح رواد الأعمال مساحة لاختبار مشاريعهم في سوق تتداخل فيها المخاطر التشغيلية مع مخاطر السوق نفسها. ففي العراق، لا يفشل المشروع دائماً بسبب ضعف الفكرة أو سوء التنفيذ، بل قد يتعثر أيضاً بسبب نقص الدعم، وصعوبة جمع رأس المال، وغياب البنية التي تساعده على النمو.
استثمرت الحاضنة حتى الآن في تسع شركات، بينها عدة مشاريع في قطاع الأعمال الزراعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية الزراعة في الاقتصاد العراقي، رغم أنها ما تزال من القطاعات الأقل تطوراً من حيث استخدام الأدوات الحديثة وأساليب الإدارة المعتمدة على البيانات.
الزراعة العراقية والانتقال من الحدس إلى البيانات
رغم أن الزراعة توظف أعداداً كبيرة في العراق، فإنها لا تزال تعاني من محدودية الموارد وضعف اعتماد التقنيات الحديثة. ولهذا برزت شركات ناشئة تحاول تحسين الكفاءة لا عبر إدخال تقنيات معقدة، بل من خلال أدوات مبسطة ومصممة للواقع المحلي.
من الأمثلة على ذلك مشروع ZAD، الذي تحول إلى مساحة عملية لاختبار فكرة استخدام البيانات في إدارة المزارع والثروة الحيوانية. طور المشروع آلية لتتبع أوزان الماشية بهدف تحسين قرارات الإدارة اليومية، مع واجهة استخدام باللغة العربية لتسهيل التعامل معها في بيئة لا تكون فيها الأدوات الأجنبية أو المعقدة مناسبة دائماً.
هذا النوع من الحلول يخدم أكثر من هدف في الوقت نفسه. فهو يساعد على رصد الحالات المرضية، واختبار نوعية الأعلاف، وجمع بيانات يمكن البناء عليها في اتخاذ قرارات أكثر دقة. النتيجة المتوقعة ليست فقط تحسين العمل داخل المزرعة، بل رفع الربحية أيضاً من خلال تقليل الهدر وتحسين إدارة الموارد.
الأهمية هنا لا تكمن في تقديم تقنية متقدمة بحد ذاتها، بل في تطوير أداة مناسبة للسياق المحلي، تراعي اللغة، وطبيعة العمل، والقيود التشغيلية. هذه الفكرة تكاد تكون سمة مشتركة بين كثير من الشركات الناشئة العراقية: الابتكار ليس في التعقيد، بل في الملاءمة.
إصلاح الأنظمة القائمة بدلاً من البحث عن أسواق وهمية
ما يميز عدداً من المشاريع العراقية الناشئة هو أنها لا تبدأ من محاولة خلق طلب جديد، بل من معالجة خلل واضح في نظام قائم. هذه المقاربة تقلل المسافة بين المنتج والمشكلة، وتجعل فرص التبني أعلى عندما يكون المستخدمون في حاجة فعلية إلى الحل.
في بيئات تعاني من فجوات في الخدمات الأساسية، تصبح الشركات الناشئة أقرب إلى مزودات بنية تشغيلية مصغرة. فهي لا تبيع مجرد تطبيق أو برنامج، بل تقدم وسيلة لتنظيم العمل وتحسين المتابعة وتقليل الفاقد في الوقت والموارد. وهذا يفسر الحضور المتزايد للمشاريع التي تستهدف الرعاية الصحية والتعليم والخدمات المالية والزراعة.
ومن بين هذه القطاعات، تبدو الرعاية الصحية من أكثر المجالات التي يظهر فيها أثر غياب البنية الرقمية بشكل واضح.
الصحة الرقمية في نظام يعتمد على الورق
المشكلة الأساسية في الرعاية الصحية بالعراق ليست دائماً نقص الأطباء أو المراكز الطبية، بل ضعف الترابط بين المؤسسات والاعتماد الكبير على السجلات الورقية. في كثير من الحالات، تكون بيانات المرضى موزعة بين أقسام مختلفة، أو غير مكتملة، أو معرضة للفقدان، ما يصعب استمرارية الرعاية والمتابعة الدقيقة.
في هذا السياق تأسست شركة Health360 في عام 2022 على يد الطبيبين حسين فاضل ومصطفى غيث. انطلقت الشركة من ملاحظة مباشرة لمشكلة يومية داخل المؤسسات الصحية: الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً بسبب الورق، وسجل المريض لا ينتقل بسهولة بين نقاط الخدمة المختلفة.
المنتج الأساسي للشركة هو نظام Clinic 360، وهو منصة لإدارة العيادات وحفظ السجلات الطبية رقمياً. يبدأ إدخال البيانات من الاستقبال، ثم يضيف الطبيب الأعراض والتشخيصات والوصفات والملاحظات العلاجية أثناء الاستشارة. بهذه الطريقة يصبح لكل مريض سجل رقمي يمكن الرجوع إليه عند المتابعة.
هذا النوع من التنظيم مهم بشكل خاص للحالات المزمنة مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة وتوثيق دقيق للتغيرات في حالتهم الصحية. وجود سجل موحد يقلل احتمالات ضياع المعلومات أو تكرار الفحوصات أو حدوث أخطاء في الرعاية اللاحقة.
أرقام التوسع تكشف حجم الحاجة في السوق
بحسب بيانات الشركة، وصل النظام منذ إطلاقه في يونيو 2022 إلى نحو ألف مركز طبي، مع خطط للتوسع إلى خمسة آلاف مركز والتوجه لاحقاً إلى القطاع العام. كما تشير الشركة إلى أنها نجحت في رقمنة أكثر من ثلاثة ملايين سجل طبي في العراق.
هذه الأرقام تعطي مؤشراً على وجود طلب فعلي على أدوات التنظيم الرقمي داخل السوق الصحية. كما تعكس أن التحدي لم يكن غياب الفكرة، بل تقديم نظام يمكن للعاملين استخدامه دون تعقيد كبير، مع إتاحة وصول المرضى إلى سجلاتهم عبر تطبيق على الهاتف.
لكن التوسع في هذا النوع من الخدمات لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل يرتبط أيضاً بعوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالسياسات والبنية التحتية والقدرات البشرية.
العقبة الأساسية ليست البرمجيات فقط
تواجه الشركات الناشئة الصحية في العراق تحديات تتجاوز المنتج نفسه. من أبرز هذه التحديات غياب قواعد واضحة وموحدة لتوثيق البيانات الطبية وتبادلها. وعندما لا توجد معايير ملزمة للأطباء والمؤسسات، تصبح السجلات مختلفة من مكان إلى آخر، حتى لو كانت جميعها رقمية.
هناك أيضاً تحدي المعرفة الرقمية لدى مقدمي الخدمة. فتبني نظام جديد داخل عيادة أو مركز طبي يحتاج إلى تدريب ومرافقة تشغيلية، وليس مجرد تثبيت برنامج. وفي سوق ما زالت فيه الثقافة الرقمية تتطور، يصبح الإعداد والتأهيل جزءاً أساسياً من نموذج العمل.
كما يظل الاتصال بالإنترنت عاملاً مؤثراً، خصوصاً مع تفاوت جودة الشبكات وانتشار الألياف الضوئية بين المدن والمناطق. ورغم وجود تحسن في بغداد وبعض المراكز الحضرية الكبرى، فإن الاعتماد على أنظمة رقمية على نطاق واسع يحتاج إلى بنية أكثر استقراراً.
ويبقى غياب أطر حماية البيانات من أكثر النقاط حساسية. من دون قواعد واضحة تحدد مسؤوليات الحفظ والمشاركة والملكية، تواجه الشركات والمستخدمون حالة من الضبابية القانونية، وهو ما قد يبطئ توسع الخدمات المعتمدة على البيانات.
مشهد ناشئ ينمو بمنطق مختلف
التجارب العراقية في الزراعة والصحة تشير إلى أن الشركات الناشئة في البلاد تتحرك وفق منطق مختلف عن النماذج الشائعة في أسواق التكنولوجيا الكبرى. الأولوية ليست بناء تطبيق استهلاكي سريع الانتشار، بل حل مشكلة تشغيلية عميقة في قطاع يحتاج إلى تحديث أساسي.
هذا لا يعني أن فرص النمو محدودة، بل ربما العكس. فكل مشكلة بنيوية غير محلولة تمثل مساحة لشركة ناشئة قادرة على تقديم حل مناسب وقابل للتبني. غير أن هذا النوع من النمو يكون عادة أبطأ، وأكثر ارتباطاً بالتنفيذ الميداني، وبناء الثقة، والعمل مع مؤسسات لم تعتد بعد على استخدام الأدوات الرقمية.
في النهاية، يوضح المشهد العراقي أن ريادة الأعمال لا تأخذ شكلاً واحداً في كل الأسواق. ففي بعض البلدان، تبدأ الشركة الناشئة من فكرة جديدة تماماً. وفي بلدان أخرى، تبدأ من إصلاح ما كان يجب أن يعمل منذ سنوات. العراق اليوم يقدم مثالاً واضحاً على النوع الثاني: شركات ناشئة لا تعيد تعريف السوق فقط، بل تحاول أولاً جعله قابلاً للعمل.