الشركات الناشئة 24-Mar-2026 6 دقائق قراءة

شركات ناشئة لبنانية تبني نماذج أعمال جديدة رغم الانهيار الاقتصادي وضعف البنية التحتية

تُظهر شركات ناشئة في لبنان أن الأزمات المالية وانقطاع الكهرباء وضعف الخدمات لا توقف الابتكار، بل تدفع إلى بناء حلول في التكنولوجيا المالية والطاقة والأمن السيبراني قابلة للتوسع خارج السوق المحلية.

في الوقت الذي أدت فيه الأزمة المالية في لبنان إلى تراجع قيمة العملة وتعطل قطاعات أساسية من الخدمات العامة، ظهرت داخل بيئة الأعمال المحلية موجة من الشركات الناشئة التي لم تنتظر تحسن الظروف كي تبدأ. بدلاً من ذلك، انطلقت هذه الشركات من واقع شديد الصعوبة: كهرباء غير مستقرة، نظام مصرفي يعاني من قيود قاسية، وسوق محلية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية.

هذا الواقع لم يوقف التأسيس، بل غيّر طريقته. كثير من المؤسسين في لبنان باتوا يبنون شركاتهم على فرضية أن الاضطراب سيستمر، وأن النجاح يتطلب منتجات قادرة على العمل في بيئات غير مثالية منذ اليوم الأول. ومن هنا ظهرت نماذج أعمال تركز على المدفوعات العابرة للحدود، الطاقة كخدمة، والخدمات الرقمية التي تقلل الاعتماد على البنية التحتية التقليدية.

في هذا السياق، برزت شركات تعمل في مجالات مختلفة لكنها تشترك في فكرة واحدة: تحويل القيود المحلية إلى حلول يمكن تسويقها في أسواق أوسع داخل المنطقة وخارجها.

بيئة ناشئة تتشكل تحت الضغط

المشهد الريادي في لبنان لا يتحرك وفق نموذج النمو المعتاد في الأسواق المستقرة. فبدلاً من الاعتماد على بنية مؤسسية قوية أو تمويل مصرفي متاح، اضطر المؤسسون إلى تصميم شركاتهم بما يتلاءم مع تعطل الأنظمة التقليدية. هذا التكيف شمل إعادة التفكير في طريقة تحصيل المدفوعات، إدارة التشغيل، والوصول إلى العملاء خارج البلاد.

كما ساعدت شبكات الدعم المهني والاستثماري في إبقاء هذا النشاط حياً، سواء من خلال مبادرات تربط المؤسسين اللبنانيين في الداخل والخارج، أو عبر مراكز تقنية تسعى إلى بناء بيئة عمل أكثر استدامة في العاصمة. وإضافة إلى ذلك، فإن وجود توجه رسمي متزايد للاهتمام بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد يمنح هذا القطاع زخماً مؤسسياً كان غائباً لسنوات.

لكن العامل الحاسم ما زال هو قدرة الشركات نفسها على التحرك بسرعة، لا انتظار الإصلاحات. وهذا ما يظهر بوضوح في عدد من النماذج الناشئة التي وجدت في الأزمات نقطة انطلاق لا عائقاً دائماً.

سوفرا تراهن على الملكية المباشرة للأموال

من بين أبرز النماذج في قطاع التكنولوجيا المالية شركة سوفرا، التي نشأت على خلفية الانهيار المالي الذي بدأ في 2019. مع تراجع قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 90% وفرض قيود على السحب من البنوك، أصبح الوصول إلى المدخرات تحدياً يومياً لشريحة واسعة من السكان. هذه التجربة دفعت الشركة إلى تطوير منصة مالية قائمة على تقنيات البلوك تشين تمنح المستخدمين سيطرة مباشرة على أموالهم.

تعتمد الفكرة على محافظ ذاتية الحفظ للأصول الرقمية، بما يعني أن المستخدم هو من يملك حق الوصول إلى أمواله دون الحاجة إلى طرف مصرفي قادر على تجميد الحساب أو تقييد السحب. وتقدم المنصة ما تصفه ببديل عملي في بيئات تفقد فيها المؤسسات المالية التقليدية ثقة المستخدمين.

ولا يقتصر نموذج الشركة على الحماية من مخاطر النظام المصرفي فقط، بل يمتد إلى جانبين مهمين في المنطقة. الأول هو إتاحة عوائد على الأصول الرقمية المقومة بالدولار عبر أدوات التمويل اللامركزي، مع حديث عن عوائد قد تصل إلى 6%. والثاني هو تسهيل التحويلات المالية باستخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، بما يسمح بتحويلات أسرع وأقل تكلفة في منطقة تصل فيها تحويلات المغتربين إلى نحو 60 مليار دولار سنوياً.

بهذا المعنى، لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد خلفية لولادة المنتج، بل أصبحت اختباراً عملياً لفكرة يمكن أن تجد استخداماً أوسع في أسواق تعاني المشكلات نفسها بدرجات متفاوتة.

YY ReGen تبني الطاقة كخدمة للمزارع

في قطاع آخر يرتبط مباشرة بالاقتصاد الحقيقي، برزت شركة YY ReGen التي تعمل في التكنولوجيا الزراعية والطاقة المتجددة. مع انهيار شبكة الكهرباء في لبنان وتراجع الإمداد الرسمي إلى ساعتين أو أربع ساعات يومياً في بعض الفترات، أصبحت المزارع تعتمد على مولدات الديزل بتكلفة مرتفعة تراوحت بين 40 و50 سنتاً لكل كيلوواط ساعة. هذه الكلفة دفعت بعض المزارعين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق.

الشركة قدمت بديلاً قائماً على نظام طاقة متجددة عند الطلب يحمل اسم ReGen-R8. ويستند النموذج إلى فكرة تقديم الطاقة كخدمة بدلاً من بيع المعدات للمزارعين. فبدلاً من تحميل العميل كلفة استثمار أولية مرتفعة، تتولى الشركة امتلاك النظام وصيانته، بينما يدفع المزارع فقط مقابل الطاقة التي يستهلكها، مع شروط مرنة تتناسب مع دورات الحصاد.

النظام موضوع داخل حاوية شحن بطول 20 قدماً، ويمكن نشره كبديل مباشر لمولدات الديزل في مواقع مختلفة. كما يتضمن تقنيات إنترنت الأشياء لمراقبة إنتاج الطاقة، وتحليل الظروف الجوية لتحسين الإنتاج الزراعي، وتنفيذ الصيانة التنبؤية.

أهمية هذا النموذج لا تتعلق بالطاقة فقط، بل بسلسلة مترابطة تشمل الماء والغذاء أيضاً. فلبنان يستورد ما بين 60% و80% من غذائه، وأي ضغط على المزارعين بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة يزيد هشاشة الأمن الغذائي. من هنا، تحاول الشركة الربط بين الطاقة المتجددة وحلول ضخ المياه والخدمات الزراعية المستدامة في إطار واحد.

وبحسب الأرقام المعلنة، أسهم نشر 10 وحدات فقط في إنتاج 140 ألف كيلوواط ساعة من الطاقة النظيفة وتجنب انبعاث 37,800 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون. كما أن الجزء الأكبر من نمو الشركة جاء عبر التوصية المباشرة بين العملاء، وهي إشارة إلى وجود طلب فعلي على نموذج يقلل الكلفة ويعالج مشكلة تشغيلية واضحة.

الشركة تعمل أيضاً على إنتاج الطاقة من الغاز الحيوي وتحويل النفايات العضوية القادمة من المطاعم ومزارع الألبان إلى مصدر كهرباء، ما يضيف بعداً بيئياً واقتصادياً إلى نموذجها التشغيلي.

Shelt تخفض كلفة الأمن السيبراني على المؤسسات

أما في قطاع الأمن السيبراني، فتقدم شركة Shelt نموذجاً مختلفاً يستهدف المؤسسات التي لا تستطيع تحمل كلفة الحلول التقليدية. في كثير من الأسواق الناشئة، يتحول الأمن الرقمي إلى خدمة مرتفعة الثمن تقتصر على الشركات الكبيرة، في حين تبقى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والجمعيات عرضة للهجمات بسبب ضعف الميزانيات.

تقوم الشركة على استخدام تقنيات مفتوحة المصدر وإضافة طبقة خدمية فوقها، بحيث لا تضطر الجهة العميلة إلى إدارة الأنظمة المعقدة بنفسها. هذا النموذج يسمح بتقديم حماية بمستوى مؤسسي وبكلفة أقرب إلى واقع المؤسسات العاملة تحت ضغط مالي.

تكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية مع ارتفاع التهديدات الرقمية وتسارع استخدامها لأدوات الذكاء الاصطناعي. فالهجمات الاحتيالية ورسائل التصيد أصبحت أسهل في الإعداد والتنفيذ، ما يرفع المخاطر على الشركات التي لا تملك فرقاً متخصصة أو ميزانيات كافية.

إلى جانب نموذجها التجاري، تستثمر الشركة في بناء الكفاءات المحلية. أكثر من 60% من فريقها التقني من النساء، وهي نسبة لافتة في قطاع غالباً ما يهيمن عليه الرجال. كما تتعاون مع الجامعات من خلال معارض توظيف وفرص تدريب، وتستقبل سنوياً عشرات المتدربين من طلاب علوم الحاسوب. هذا الدور لا يعالج فقط نقص المهارات في السوق، بل يفتح مسارات مهنية قد تساعد على إبقاء بعض الكفاءات داخل لبنان.

وتدير الشركة مراكز عمليات أمنية تعمل على مدار الساعة في قبرص ونيجيريا والسعودية، كما أُدرجت ضمن قائمة MSSP 250 لعام 2025، ما يعكس توسعها خارج السوق المحلية وتحولها إلى مزود إقليمي في هذا المجال.

منطق جديد لبناء الشركات الناشئة

ما يجمع هذه النماذج الثلاثة ليس القطاع، بل طريقة التفكير. فكل شركة انطلقت من خلل بنيوي واضح: انهيار الثقة في النظام المالي، عجز الكهرباء، أو ارتفاع كلفة الأمن السيبراني. وبدلاً من التعامل مع هذه المشكلات كعقبات مؤقتة، تعاملت معها كأساس لتصميم المنتج.

هذا النهج يعطي الشركات الناشئة اللبنانية ميزة خاصة. فهي تبني منذ البداية على افتراضات أكثر صرامة من تلك التي تواجهها شركات كثيرة في أسواق مستقرة. المنتجات يجب أن تكون أقل اعتماداً على البنية التقليدية، وأكثر مرونة في التسعير، وأسرع في الوصول إلى أسواق خارجية عندما تكون السوق المحلية محدودة.

كما أن تجربة لبنان تقدم درساً أوسع لبيئات الأعمال في المنطقة: الابتكار لا يحتاج دائماً إلى ظروف مثالية، لكنه يحتاج إلى وضوح في المشكلة ونموذج تشغيل قادر على الصمود. وفي عالم تزداد فيه التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، قد تصبح الخبرة المتراكمة في العمل تحت الضغط ميزة تنافسية بحد ذاتها.

ماذا تعني هذه التجارب للاقتصاد اللبناني

لا يمكن للشركات الناشئة وحدها أن تعالج أزمة اقتصادية بهذا الحجم، لكنها تستطيع أن تقدم مؤشرات على اتجاهات جديدة للنمو. فعندما تتمكن شركة مالية من بناء منتج يتجاوز حدود السوق المحلية، أو شركة طاقة من خفض كلفة التشغيل في الزراعة، أو شركة أمن سيبراني من تصدير خدماتها إقليمياً، فإن ذلك يخلق قيمة تتجاوز التوظيف المباشر.

هذه الشركات تفتح الباب أمام جذب المواهب والاستثمارات، وتعيد صياغة صورة الاقتصاد اللبناني من اقتصاد يواجه الانكماش إلى اقتصاد يملك جيوباً من الابتكار القابل للتصدير. والأهم أن هذه النماذج لا تعتمد على رواية التعافي السريع، بل على التكيف طويل الأمد مع بيئة غير مستقرة.

في النهاية، يبدو أن قطاع الشركات الناشئة في لبنان لا يسير نحو العودة إلى ما كان عليه قبل الأزمة، بل نحو نموذج مختلف بالكامل. نموذج يقوم على المرونة، والتوسع الخارجي، وبناء حلول تنطلق من الواقع الصعب بدلاً من تجاهله. وهذا بالضبط ما يمنح هذه التجارب أهمية تتجاوز حدود لبنان نفسه.