تتحرك OpenAI نحو مرحلة جديدة في نموذج أعمالها عبر دراسة بناء ذراع إعلانية حول ChatGPT، في مؤشر واضح على أن الشركة تريد تحويل نجاحها في الذكاء الاصطناعي إلى مصدر دخل أكثر استدامة. وتأتي هذه الخطوة بينما تبحث الشركة عن أدوات توازن بين النمو السريع، والتكاليف التشغيلية المرتفعة، والاستعداد لمرحلة قد تشمل طرحاً عاماً في الأسواق خلال الفترة المقبلة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن OpenAI تسعى إلى تقديم نفسها للعلامات التجارية الكبرى بوصفها منصة قادرة على الوصول إلى المستخدمين في لحظة البحث عن المعلومات، وهو موقع يشبه إلى حد بعيد ما بنته Google خلال العقدين الماضيين. الفكرة الأساسية هنا ليست مجرد إضافة إعلانات تقليدية، بل تطوير تجربة إعلانية ترتبط بسياق المحادثة داخل ChatGPT وتبدو أكثر قرباً من سلوك المستخدم الفعلي.
من مهرجان كان إلى سوق الإعلانات
ظهور OpenAI في مهرجان كان الدولي للإعلانات يعكس رغبتها في الدخول إلى مجتمع المعلنين مباشرة، وليس عبر القنوات التقنية فقط. فالمهرجان يمثل منصة تجمع وكالات الإعلان والعلامات التجارية والمنصات الرقمية، ما يمنح الشركة فرصة لشرح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل الإعلان الموجّه والبحث المدفوع وتوزيع الرسائل التسويقية.
الرسالة التي تحاول OpenAI إيصالها واضحة: ChatGPT ليس مجرد أداة للإجابة على الأسئلة، بل يمكن أن يتحول إلى قناة اكتشاف وتسويق وتفاعل تجاري. وهذا التحول، إذا اكتمل، قد يفتح الباب أمام نموذج جديد ينافس الطريقة التي توزع بها الإعلانات عبر محركات البحث والمنصات الاجتماعية.
تحدي الهيمنة الإعلانية لدى Google وMeta
التحرك الجديد يضع OpenAI في مواجهة مباشرة مع لاعبين يملكون خبرة طويلة في الإعلانات الرقمية، وعلى رأسهم Google وMeta. فالشركتان بنيتا إمبراطوريتهما الإعلانية على بيانات المستخدمين، وسلوك البحث، ونظم الاستهداف الدقيق، وهي عناصر تسعى OpenAI إلى مقاربتها بأسلوب مختلف يعتمد على الحوار والسياق.
وتشير التقديرات إلى أن الشركة تريد تقديم منتج إعلاني جديد لا يشبه القوالب التقليدية، بل يستفيد من طبيعة المحادثة التفاعلية داخل ChatGPT. وإذا نجحت هذه الصيغة، فقد تصبح المنصة خياراً مهماً للعلامات التجارية التي تبحث عن وصول أكثر مباشرة إلى المستخدمين أثناء استكشافهم للمعلومات أو المقارنات أو قرارات الشراء.
الضغط المالي يدفع نحو تنويع الإيرادات
تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه OpenAI تكاليف تشغيلية ضخمة. فالشركة أنفقت خلال العام الماضي عشرات المليارات من الدولارات، وهو مستوى إنفاق يوضح أن الاعتماد على الاشتراكات وحدها قد لا يكون كافياً لتمويل التوسع السريع في البنية التحتية والمنتجات والخدمات الجديدة.
لهذا السبب يبدو التوجه نحو الإعلانات منطقياً من زاوية الأعمال. فالإعلانات تمنح الشركة قناة دخل يمكن أن تتوسع على نطاق واسع، خصوصاً إذا تم دمجها بطريقة لا تضر بتجربة المستخدم. كما أن هذا النموذج يتيح لـ OpenAI الوصول إلى شريحة أوسع من المستخدمين، مع الاحتفاظ بمنتجات مدفوعة موجهة للشركات والمحترفين.
طريقة عرض الإعلانات داخل ChatGPT
الملامح الأولية للنموذج الإعلاني تشير إلى أن الإعلانات ستظهر أسفل الردود، من دون أن تتداخل مع النص الرئيسي للمحادثة. هذا التصميم يعكس محاولة واضحة لتجنب الإزعاج المباشر، والحفاظ على تجربة استخدام نظيفة نسبياً، مع فتح مجال للإيرادات في الوقت نفسه.
وتبدو استراتيجية الشركة قائمة على الموازنة بين أمرين: إبقاء المنصة مفيدة وسلسة للمستخدم، وفي الوقت نفسه جعلها قابلة للتسويق تجارياً. هذه المعادلة تمثل التحدي الأكبر لأي شركة ذكاء اصطناعي تحاول دخول الإعلانات دون أن تفقد ثقة الجمهور.
أسواق مستهدفة وقطاعات عالية العائد
وفق التصورات المتداولة، تعتمد OpenAI على خطة توسع تدريجية في الأسواق، تبدأ من البيئات الناطقة بالإنجليزية ثم تتوسع حسب أداء النموذج. كما تركز الشركة على قطاعات يُعتقد أنها تحقق عوائد أعلى في الإعلان الرقمي، مثل السفر والتجزئة والصحة والخدمات المالية.
هذا الاختيار ليس عشوائياً، لأن هذه القطاعات عادة ما تمتلك ميزانيات إعلانية كبيرة وتستفيد من الاستهداف الدقيق. وإذا استطاعت OpenAI تقديم إعلانات مرتبطة بنوايا المستخدم داخل ChatGPT، فقد تصبح المنصة جذابة على نحو خاص لهذه الأنشطة التجارية.
منافسة متزايدة في الذكاء الاصطناعي المربح
في الخلفية، لا تقف المنافسة عند سوق الإعلانات فقط. فالشركة تواجه أيضاً ضغوطاً من منافسين في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتهم Anthropic، التي عززت موقعها في السوق خلال الفترة الأخيرة. هذا يعني أن OpenAI لا تحاول فقط توسيع الإيرادات، بل أيضاً الدفاع عن مركزها في سوق يشهد تغيرات سريعة في التقييمات والمنتجات والتوقعات.
كذلك، فإن تحرك الشركات الكبرى مثل Google لإعادة تصميم الإعلانات باستخدام الذكاء الاصطناعي يوضح أن الصناعة بأكملها تدخل مرحلة إعادة تشكيل. ومع ذلك، لا تزال بعض المنصات المتنافسة مترددة في إدخال الإعلانات مباشرة داخل منتجاتها الرئيسية، ما يمنح OpenAI فرصة لتجربة مسار أكثر جرأة.
ما الذي تعنيه هذه الخطوة لقطاع الشركات الناشئة؟
بالنسبة لقطاع الشركات الناشئة، تمثل خطوة OpenAI مؤشراً مهماً على أن شركات الذكاء الاصطناعي لم تعد تكتفي ببناء النماذج والأدوات، بل تبحث عن طبقات إيراد جديدة يمكن أن تدعم النمو على المدى الطويل. وهذا الاتجاه قد يدفع شركات ناشئة أصغر إلى التفكير في نماذج هجينة تجمع بين الاشتراكات والإعلانات والخدمات الموجهة للأعمال.
كما أن التحول نحو الإعلان داخل أدوات المحادثة قد يفتح سوقاً جديدة أمام الشركات الناشئة العاملة في التحليلات، وقياس الأداء، وتحسين الاستهداف، وإدارة المحتوى المدفوع. وفي حال أثبت هذا النموذج جدواه، فقد يصبح أحد المحاور الرئيسية في اقتصاد تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
الخلاصة أن OpenAI تتحرك بوضوح من شركة تركز على المنتج فقط إلى شركة تبني بنية أعمال أوسع، يكون الإعلان فيها أحد أعمدتها المحتملة. وبين ضغوط التكلفة، وتوسع المنافسة، وارتفاع توقعات السوق، تبدو هذه الخطوة جزءاً من معركة أكبر على مستقبل الربحية في قطاع الذكاء الاصطناعي.