بطولة موسعة لكن الوصول إليها ليس سهلاً
تُقدَّم كأس العالم 2026 بوصفها النسخة الأضخم في تاريخ البطولة، إذ ستُقام على امتداد ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32 فريقاً كما كان في نسخة 2022. وتستعد FIFA لتنظيم 104 مباريات يتوقع أن تجذب أكثر من خمسة ملايين متفرج، ما يجعل الحدث الأكبر من حيث الحجم الجغرافي وعدد المباريات والرهان التجاري.
لكن هذه الصورة الواسعة تخفي واقعاً أكثر تعقيداً. فبالنسبة إلى عشرات الآلاف من المشجعين، لم تعد المشكلة في شراء التذكرة فقط، بل في القدرة على الوصول أصلاً إلى البلد المضيف، وسط نظام تأشيرات أكثر تشدداً، وفحوص أمنية مطولة، ومخاوف من الرفض عند الحدود حتى بعد الحصول على الموافقة الرسمية.
يزداد هذا التعقيد لأن البطولة تشهد حضوراً عربياً غير مسبوق، مع تأهل ثمانية منتخبات عربية للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم. ويعني ذلك أن شرائح واسعة من جماهير المنطقة تتعامل مع الحدث باعتباره فرصة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه تواجه شبكة من العوائق الإدارية والمالية والأمنية.
الحدود أصبحت جزءاً من قصة البطولة
أبرز مثال على ذلك يتمثل في الجماهير القادمة من دول تخضع لتدقيق أعلى. فقد علّقت الولايات المتحدة إصدار التأشيرات لمواطنين من دول تأهلت منتخباتها، بينها إيران وهايتي، وهو ما وضع مشجعين ولاعبين ومسؤولين في وضع غير مسبوق. وفي حالة إيران، أفادت تقارير بأن آلاف التذاكر أُلغيَت قبل البطولة بأسابيع قليلة، بينما طُلب من اللاعبين والأطقم الإدارية التنقل من المكسيك إلى الولايات المتحدة في أيام مبارياتهم المقامة على الأراضي الأميركية.
ولا يقتصر الأمر على إيران. فقد واجه مسؤولون رياضيون فلسطينيون منعاً من دخول الولايات المتحدة، كما تعرّض مشجعون من المغرب لرفض تأشيرات، مع خسائر مالية كبيرة بعد حجز الرحلات والفنادق مسبقاً. وفي حالات أخرى، حصل بعض المسافرين على تأشيرة صالحة ثم مُنعوا من الدخول عند الوصول، ما يعكس فجوة واضحة بين الموافقة القنصلية والعبور الفعلي إلى البلاد.
كما فرضت السلطات الأميركية في بعض الحالات وديعة دخول قد تصل إلى 15 ألف دولار على مشجعين ومسؤولين من دول أفريقية وآسيوية وعربية، وهو مبلغ يحوّل السفر إلى كأس العالم من تجربة رياضية إلى التزام مالي ثقيل لا يستطيع كثيرون تحمله.
التدقيق الرقمي يضيف طبقة جديدة من التعقيد
وراء هذه المشكلات يقف نظام تأشيرات يعتمد على مستويات متعددة من الفحص. فبحسب الإرشادات الرسمية، يمكن أن يخضع المتقدمون لمراجعة موسعة تشمل النشاط الرقمي وحسابات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مراحل من المعالجة الإدارية التي قد تستمر أسابيع أو أشهر من دون جدول زمني واضح.
وتترافق هذه العملية مع استخدام متزايد للتقنيات البيومترية مثل بصمات الأصابع ومطابقة الوجه، سواء في مرحلة إصدار التأشيرة أو عند نقاط الدخول. وفي بعض الحالات، لا تعني الموافقة على السفر أن القرار انتهى؛ إذ يمكن للسلطات أن تفتح فحصاً إضافياً عند الوصول، ما يضاعف حالة عدم اليقين لدى الزوار.
هذا الاتجاه يعكس تحوّلاً أوسع في سياسات الهجرة، حيث باتت أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الآلي جزءاً من إدارة الحدود. وتُستخدم هذه الأدوات في بعض السياقات لتصنيف الطلبات وتحديد أولويات الفحص، ما يجعل القرار النهائي أقل شفافية وأصعب في التنبؤ بالنسبة للمسافرين.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح السؤال لدى كثير من المشجعين لا يتعلق فقط بموعد المباراة أو فخامة الاستاد، بل أيضاً بما إذا كانت مشاركاتهم الرقمية أو سجلاتهم الإدارية قد تقود إلى تأخير أو رفض غير متوقع.
الوقت والمال يفرضان استبعاداً عملياً
إلى جانب المخاوف الأمنية، يشكل عامل التكلفة حاجزاً آخر لا يقل أهمية. فالتذاكر نفسها ارتفعت أسعارها بشكل كبير مقارنة بالنسخ السابقة، مع اعتماد FIFA لأول مرة تسعيراً ديناميكياً يتغير وفق الطلب. ووفق تقديرات منظمات حقوقية، أصبحت أسعار بعض التذاكر أعلى بثلاثة أضعاف تقريباً مقارنة بكأس العالم 2022 في قطر، قبل احتساب الزيادات في سوق إعادة البيع.
كما تستفيد FIFA من إعادة البيع الرسمية عبر اقتطاع 15% من كل معاملة، في وقت وصلت فيه أسعار بعض المقاعد المميزة إلى أكثر من 10 آلاف دولار في المباراة النهائية. هذا التحول يجعل البطولة أكثر شبهاً بمنتج ترفيهي فاخر منه بحدث كروي شعبي مفتوح للجميع.
وتنعكس هذه المعادلة على جماهير من دول بعيدة أُجبرت على اتخاذ قرارات مالية صعبة. فبعض المشجعين حجزوا تذاكر طيران قابلة للاسترداد، أو اعتمدوا على أقارب داخل الولايات المتحدة لتأمين الإقامة، أو اشتروا التذاكر عبر طرف ثالث لتخفيف الخسائر المحتملة في حال لم تصدر التأشيرات في الوقت المناسب. ومع ذلك، اضطر كثيرون إلى التخلي عن خططهم بعدما اتضح أن موعد المقابلة القنصلية قد يأتي بعد انتهاء البطولة نفسها.
الازدحام الإداري بعد الجائحة يفاقم الأزمة
لا يمكن فصل التأخير الحالي عن الظروف الأوسع التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة. فالمقابلات القنصلية الطويلة تعود جزئياً إلى تراكمات ما بعد الجائحة، وإلى نقص الموظفين في بعض البعثات الدبلوماسية، إضافة إلى توسيع متطلبات الفحص الأمني. وكل ذلك يجعل المسافر إلى الولايات المتحدة بحاجة إلى وقت أطول مقارنة بوجهات كروية أخرى.
هذا الفارق ظهر بوضوح عند المقارنة مع أوروبا، حيث أشار بعض المشجعين إلى أن الحصول على تأشيرة شنغن كان أسرع وأكثر مرونة، وأن شراء التذاكر هناك يمكن أن يتم لاحقاً وبمرونة أكبر. أما في الحالة الأميركية، فإن ربط التذكرة المبكرة بملف التأشيرة يجعل الخسارة المالية أكثر احتمالاً عند أول عقبة إدارية.
وبينما يرى منظمو البطولة أن الحدث سيحقق دفعة اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة ويرفد FIFA بعوائد ضخمة من حقوق البث والرعاية، فإن هذه العوائد لا تُترجم بالضرورة إلى سهولة في الوصول بالنسبة للجماهير. على العكس، أصبح كثير من المشجعين يشعرون بأنهم يواجهون بطولة مصممة لمن يستطيع الدفع والانتظار والتكيف مع قواعد شديدة التعقيد.
الرياضة والاقتصاد والسياسة في نقطة واحدة
تتجاوز أزمة الوصول إلى كأس العالم 2026 ملف التأشيرات وحده، لأنها تكشف كيف أصبحت البطولات الكبرى مساحة يختلط فيها الأمن بالاقتصاد والهوية السياسية. فالدول المستضيفة تريد ضمان السيطرة على الحدود، بينما تريد الجهات المنظمة تعظيم العائدات وتوسيع الحضور الجماهيري، وتريد الجماهير ببساطة مشاهدة مباريات منتخباتها من المدرجات.
لكن هذا التوازن يبدو هشاً في النسخة الحالية. فبين الفحوص الرقمية، والودائع المرتفعة، وطوابير السفارات، وأسعار التذاكر المتصاعدة، تتقلص مساحة الوصول الفعلي إلى اللعبة، حتى في بطولة يُفترض أنها احتفال عالمي بالكرة.
ومع ذلك، تبقى جاذبية البطولة قائمة. فالمشجعون الذين يستطيعون تجاوز الحواجز الإدارية والمالية ما زالوا ينظرون إلى كأس العالم بوصفها الحدث الذي يستحق هذا الجهد كله. إلا أن تجربة 2026 قد تُذكر لسبب آخر أيضاً: لأنها أظهرت أن الحضور إلى الملعب قد يصبح أصعب من الوصول إلى النهائي نفسه.