عودة إلى دمشق انتهت بتوقيف جديد
بعد سنوات طويلة قضاها بعيداً عن وطنه، عاد حسن أكاد إلى سوريا على أمل المشاركة في مرحلة سياسية واجتماعية جديدة بعد سقوط بشار الأسد. لكن هذه العودة، التي ارتبطت لدى كثيرين بصورة رمزية عن الانفتاح والمحاسبة، انتهت سريعاً بتوقيفه في دمشق هذا الأسبوع، في تطور أعاد إلى الواجهة أسئلة حساسة حول حدود الحرية في البلاد الجديدة.
أكاد، وهو مخرج وناشط سوري بريطاني، كان قد اعتُقل سابقاً في عهد النظام السابق بسبب توثيقه احتجاجات مناهضة للحكومة. وبعد سنوات من المنفى والتنقل، عاد إلى سوريا مع انتقال البلاد إلى مرحلة ما بعد الأسد، وبدأ نشاطاً علنياً عبر الإنترنت يركز على الرقابة الشعبية ومساءلة الشخصيات النافذة بشأن وعود إعادة الإعمار.
التوقيف الأخير لم يأتِ بمعزل عن هذا النشاط. فبحسب ما نُقل عن فريقه القانوني، فإن القضية ارتبطت بحملة ساخرة أطلقها بعنوان «هاتوا الفلوس» ركزت على مطالبات علنية لرجال أعمال وإعلاميين وشخصيات عامة بضرورة الوفاء بتعهداتهم المالية تجاه إعادة إعمار البلاد.
حملة رقمية تحولت إلى ظاهرة عامة
اعتمدت الحملة على أسلوب غير تقليدي يجمع بين السخرية والضغط العلني، عبر مقاطع فيديو وميمات ورسائل مباشرة تستهدف شخصيات أعلنت سابقاً عن تبرعات أو التزامات مالية لمشاريع إعادة البناء. وانتشرت المواد التي نشرها أكاد على نطاق واسع، ووصل بعضها إلى أكثر من مليون مشاهدة، ما جعل الحملة تتجاوز إطار المبادرة الفردية إلى ظاهرة نقاش عام حول الشفافية.
في بلد عاش لعقود تحت قبضة أمنية صارمة، بدا للكثير من السوريين أن مجرد طرح سؤال علني حول مصير التعهدات المالية يمثل تحوّلاً في العلاقة بين المجتمع والسلطة والنخبة الاقتصادية. لكن آخرين رأوا أن أسلوب الحملة، بما فيه من تلميحات لاذعة ومقاطع تهكمية، قد يدفع باتجاه التشهير أكثر من المحاسبة.
هذا الجدل يعكس معضلة أوسع تواجه المجتمعات الخارجة من النزاع: كيف يمكن تأسيس ثقافة مساءلة عامة من دون أن تتحول إلى تصفية حسابات شخصية أو حملات تشهير إلكتروني؟
استهداف شخصيات من حقبة الأسد وشخصيات من المرحلة الجديدة
لم تقتصر الحملة على من ينتمون إلى النخبة القديمة المرتبطة مباشرة بعهد الأسد، بل شملت أيضاً شخصيات أعلنت دعمها العلني لجهود الإعمار في المرحلة الجديدة. ومن بين الأسماء التي طالتها الانتقادات الإعلامي موسى العمر، الذي كان قد أعلن التزاماً مالياً تجاه إعادة إعمار حمص، قبل أن يشكك أكاد لاحقاً في تنفيذ ذلك التعهد.
العمر تقدم بشكوى قانونية ثم سحبها لاحقاً، مؤكداً أن اعتراضه لم يكن على فكرة التذكير بالوعود، بل على ما اعتبره هجوماً شخصياً وتشويهاً لسمعته. وفي ظهوره الإعلامي، شدد على أن الأموال التي تعهد بها صُرفت بالفعل، وأن ما جرى جرى تضخيمه خارج سياقه.
كما طالت الحملة الأخوين أحمد وعمرو حمشو، اللذين تعهدا بمبلغ كبير لدعم صندوق التنمية السوري. وحتى وقت نشر المعلومات المتداولة، ظل التعهد مسجلاً بوصفه غير منفذ بالكامل. وأعاد أكاد ربط هذا الملف بإرث العائلة وارتباطها بعلاقات نفوذ في الحقبة السابقة، ما زاد من حساسية النقاش حول من يملك حق التحدث باسم إعادة الإعمار، ومن يملك حق مساءلة الممولين.
الشفافية في إعادة الإعمار تواجه اختباراً صعباً
أحد أهم آثار هذه الحملة أنها فتحت نقاشاً عملياً حول آليات التبرع والإعلان عن الالتزامات المالية في سوريا الجديدة. فبحسب الفريق المحيط بأكاد، فإن المطالبات العلنية ساهمت في تحصيل مبالغ أُنجزت أو أُحرز فيها تقدم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وتحدث الفريق عن مئات الآلاف من الدولارات التي قيل إن التزاماتها سُدّدت بعد بدء الحملة.
ومن الأمثلة التي استشهد بها فريقه، قضية وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، إذ جرى التذكير بتعهد سابق لها، قبل أن يظهر لاحقاً تسجيل تبرع باسمها في صندوق التنمية السوري، وهو ما تم تسليط الضوء عليه عبر لقطات ووثائق شاركها أكاد وفريقه.
لكن هذه النتائج لا تلغي الإشكال الأساسي. فحين تصبح الشفافية مرتبطة بمنصة فردية على الإنترنت، بدلاً من آليات رسمية واضحة وموثقة، يصبح المجال مفتوحاً أمام الاتهام المتبادل، والتأويل، والضغط الجماهيري غير المنظم. وهذا بالتحديد ما يجعل قصة أكاد أكثر من مجرد خلاف شخصي؛ إنها اختبار مبكر لقدرة المؤسسات الجديدة على استيعاب النقد العلني.
القانون السيبراني يعود إلى الواجهة
القضية أعادت أيضاً الانتباه إلى البيئة القانونية التي تنظم الخطاب الرقمي في سوريا. ففي عام 2022، أقر النظام السابق قانوناً لمكافحة الجرائم الإلكترونية شمل تجريم أشكال من السخرية العلنية والتشهير الإلكتروني والسب والقذف عبر الإنترنت. ورغم تغير السلطة السياسية، فإن أثر هذه التشريعات لا يزال حاضراً في التعامل مع المحتوى الرقمي والاتهامات المتبادلة.
منظمات حقوقية حذرت في الأسابيع الأخيرة من أن شكاوى التشهير باتت تُستخدم بشكل متزايد ضد صحفيين وناشطين ومواطنين يكتبون عن الفساد أو الانتهاكات أو إساءة استخدام النفوذ. ووفق هذا المنظور، فإن الخطر لا يكمن فقط في نصوص القانون، بل في إمكانية توظيفها لتقييد النقاش العام وخلق مناخ من الردع.
في المقابل، يتمسك المدافعون عن الشكاوى القانونية بحق أي شخص في حماية سمعته من الاتهامات العلنية غير المنضبطة. وبين هذين الموقفين، يظهر التحدي الحقيقي: هل تستطيع سوريا بناء مسار قانوني يحمي السمعة العامة من دون أن يخنق الصحافة والمساءلة المجتمعية؟
اعتقال يعيد القلق من إعادة إنتاج أنماط القمع
بحسب ما أعلنه محاميه وفريقه، أُبلغ أكاد بالحضور إلى التحقيق في دمشق، ثم جرى توقيفه لاحقاً في ظروف وصفت بأنها لم تتسم بالوضوح الكامل. وتحدثت الروايات المتداولة عن دخول عناصر أمن بلباس مدني إلى المكان الذي كان فيه برفقة صحفيين أجانب، وطلب هاتفه المحمول قبل إبلاغه بالتوقيف.
حتى لحظة نشر المعلومات، لم تصدر السلطات السورية توضيحاً علنياً مفصلاً حول الأساس القانوني للاعتقال أو التهم الرسمية الموجهة إليه. هذا الغموض بحد ذاته أثار قلقاً واسعاً، لأن القضية تتعلق بشخص عاد إلى البلاد بعد سنوات من المنفى للعمل في المجال العام، لا بشخصية سياسية تقليدية أو معارضة مسلحة.
وتكتسب الحادثة حساسيتها من تاريخ سوريا نفسه، حيث ارتبطت سنوات الحكم السابقة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري ضد من تجرؤوا على انتقاد السلطة أو توثيق الانتهاكات. لذلك، فإن أي توقيف غير موثق في المرحلة الجديدة يُقرأ فوراً على أنه اختبار مبكر لمدى اختلاف الواقع الحالي عن الماضي.
ما الذي تعنيه القضية لمستقبل المجال العام في سوريا
قضية حسن أكاد تكشف هشاشة المسافة بين الوعود السياسية والواقع القانوني في سوريا ما بعد الأسد. فالمجتمع الذي بدأ يطالب بالشفافية في تمويل الإعمار، وجد نفسه أمام سؤال أكبر: من يحدد حدود النقد المشروع، ومن يملك أدوات مساءلة من يملكون النفوذ والثروة؟
إذا كانت المرحلة الانتقالية تريد أن تبدو مختلفة عن حقبة الاستبداد، فإنها تحتاج إلى قواعد واضحة تحمي التعبير العلني وتفصل بين النقد الجاد والتشهير، وبين المساءلة المجتمعية واستخدام القانون لإسكات الأصوات المزعجة. وفي حال غابت هذه القواعد، فإن أي قضية مشابهة ستُقرأ بوصفها إشارة إلى أن أنماط القمع القديمة لم تختفِ بالكامل، بل أعادت تموضعها فقط داخل إطار جديد.
لهذا السبب، تجاوزت قضية أكاد حدود فرد واحد. فهي أصبحت مؤشراً على شكل المجال العام الذي يمكن أن يتكون في سوريا الجديدة: مجال يسمح بالمحاسبة العلنية، أم مساحة تعود فيها المخاوف القديمة من الاعتقال لتفرض نفسها على كل من يرفع صوته.