الشركات الناشئة 01-Mar-2026 7 دقائق قراءة

شركات ناشئة من الشتات تعيد بناء خدمات الإقامة الرقمية في سوريا بعد سنوات العزلة

تسعى شركات ناشئة أسسها سوريون في الخارج إلى سد فجوة الإقامة الرقمية في سوريا، مستفيدة من الطلب المتزايد على العودة والزيارة رغم ضعف البنية التحتية وصعوبات الدفع والثقة في السوق.

تشهد سوريا بروز مجموعة من الشركات الناشئة التي تحاول بناء خدمات رقمية أساسية غابت عن السوق لسنوات طويلة، وفي مقدمتها منصات الإقامة قصيرة الأجل والحجز المحلي. هذه الشركات لا تنطلق من بيئة مستقرة أو جاهزة، بل من فراغ رقمي كبير تشكل بفعل الحرب والعقوبات وضعف البنية التحتية المالية والاتصالية. ومع عودة عدد من السوريين من الخارج بعد التحولات السياسية الأخيرة، ظهرت حاجة عملية وسريعة إلى خدمات تساعد الزوار والعائدين على إيجاد سكن موثوق وإتمام الحجوزات بقدر أعلى من التنظيم.

اللافت أن هذه الموجة يقودها في جزء كبير منها مؤسسون من الشتات السوري، أي من أشخاص بنوا خبراتهم المهنية خارج البلاد ثم عادوا أو قرروا إطلاق مشاريع تستهدف السوق السورية من الخارج. هذا النموذج يعكس سمة شائعة في أسواق ما بعد الأزمات: رواد أعمال يملكون فهماً مزدوجاً، واحداً لاحتياجات السوق المحلية، وآخر للمنتجات والخدمات التي اعتادوا استخدامها في أوروبا أو أميركا.

منصات جديدة لسوق كان يعمل خارج الإنترنت

قبل ظهور هذه المبادرات، كان العثور على سكن مناسب داخل سوريا يعتمد غالباً على العلاقات الشخصية أو مجموعات التواصل الاجتماعي أو الوسطاء المحليين. هذه الآليات قد تنجح في بعض الحالات، لكنها لا توفر تجربة قابلة للتوسع أو سهلة الاستخدام، خصوصاً لمن يعيش خارج البلاد ويريد ترتيب زيارته قبل الوصول.

ضمن هذا السياق، ظهرت شركات ناشئة مثل بيتي بيتك التي أطلقتها رائدة الأعمال السورية بهيلة حجازي، وتركز على توفير خيارات سكن في دمشق عبر التطبيق والموقع. المشروع انطلق بسرعة بعد التغيرات السياسية في ديسمبر 2024، وتم تطويره ميدانياً مع انتقال المؤسسة إلى دمشق بعد أشهر قليلة من البداية. ووفق المعلومات المتاحة، تضم المنصة نحو ألف مستخدم بين التطبيق والموقع، معظمهم من الولايات المتحدة وألمانيا، وتعرض قرابة 100 خيار سكني في دمشق.

وفي الفترة نفسها، ظهرت أيضاً منصات أخرى تحمل الفكرة نفسها تقريباً، منها Hala In التي أطلقها عمر محفوظ، وهو رائد أعمال سوري في القطاع العقاري مقيم في رومانيا، إضافة إلى HalaSyria التي أسسها فريق يضم سوريين في ألمانيا وهولندا بالتعاون مع رواد أعمال أوروبيين، مع تركيز أكبر على إدراج الفنادق.

من زاوية الشركات الناشئة، هذا التزامن مهم لأنه يشير إلى وجود طلب حقيقي في السوق، وليس مجرد مبادرة فردية. عندما تظهر عدة شركات في وقت متقارب لحل المشكلة نفسها، فهذا يعني عادة أن الفرصة أصبحت واضحة بما يكفي لجذب أكثر من فريق مؤسس.

فرصة سوقية ولحظة عاطفية

هذه المشاريع لا تقدم نفسها فقط كخدمات تقنية، بل كأدوات لربط السوريين ببلدهم من جديد. فبعد سنوات طويلة من النزوح والانفصال القسري، عاد مفهوم "العودة" ليصبح احتمالاً عملياً لدى كثيرين، لا مجرد فكرة مؤجلة. هنا تظهر الشركات الناشئة بوصفها وسيطاً بين الرغبة العاطفية في الرجوع وبين الاحتياجات اليومية الملموسة مثل السكن والدفع والتنقل.

لكن من المهم النظر إلى هذه المشاريع بعيداً عن اللغة العاطفية فقط. من الناحية التجارية، هي تستجيب لفجوة واضحة تشبه الفجوة التي تملؤها عادة منصات عالمية مثل Airbnb أو Booking.com. المشكلة أن هذه الخدمات لم تكن متاحة أو لم تعمل بشكل موثوق في سوريا لسنوات، سواء بسبب العقوبات أو القيود التقنية أو غياب البنية المصرفية المناسبة.

هذا خلق ما يمكن وصفه بـفجوة المنصة: يوجد طلب على الحجز والإقامة، ويوجد عرض من الشقق والفنادق، لكن الحلقة التي تربط الطرفين رقمياً كانت مفقودة. الشركات الناشئة الجديدة تحاول بناء هذه الحلقة محلياً وبصيغة تناسب الواقع السوري.

العقبة الأكبر ليست التطبيق بل البنية التحتية

أي شركة ناشئة في مجال الحجز تعتمد عادة على ثلاث طبقات أساسية: اتصال موثوق بالإنترنت، ومدفوعات إلكترونية قابلة للتنفيذ، وآليات تحقق تبني الثقة بين الأطراف. في الحالة السورية، هذه الطبقات الثلاث ما زالت هشة.

لا تزال خدمات الكهرباء والمياه الساخنة والاتصال في كثير من المناطق غير مستقرة، كما أن سوريا تعد من أضعف الأسواق اتصالاً بخدمات الإنترنت الثابت والبيانات المحمولة. وحتى بعد تخفيف بعض القيود الأميركية في 2025، لم تظهر آثار ذلك بشكل واسع داخل السوق. أي أن الانفتاح السياسي أو القانوني لا يتحول تلقائياً إلى جاهزية تشغيلية على الأرض.

الأصعب ربما هو ملف المدفوعات. فمعظم السوريين لا يملكون حسابات مصرفية تتيح استخدام أدوات دفع دولية، كما أن مزودي خدمات مثل Stripe ما زالوا يصنفون سوريا ضمن الأسواق عالية المخاطر. النتيجة أن الاقتصاد الرقمي يستمر فعلياً على أساس النقد، وهو ما يضعف سرعة النمو ويزيد تكلفة العمليات ويجعل التوسع أكثر تعقيداً.

لهذا اضطرت الشركات الجديدة إلى بناء حلول تشغيلية بديلة. بعض المنصات سجلت أعمالها مالياً في دول أخرى مثل الإمارات أو رومانيا كي تتمكن من تحصيل المدفوعات إلكترونياً، ثم تسوية مستحقات أصحاب العقارات داخل سوريا نقداً أو عبر ترتيبات محلية. هذا النوع من الحلول يسمح بإطلاق الخدمة، لكنه ليس بديلاً دائماً عن نظام مالي رقمي متكامل.

الثقة بوصفها منتجاً أساسياً

في أسواق الإقامة قصيرة الأجل، لا يكفي عرض الشقق على موقع أو تطبيق. العنصر الحاسم هو الثقة: هل الصور دقيقة؟ هل العقار مطابق للوصف؟ هل سيحصل المالك على مستحقاته؟ وهل سيستخدم المستأجر المكان بطريقة مسؤولة؟

في سوريا، تزداد هذه المسألة حساسية بسبب حداثة النموذج نفسه. تأجير الشقق لفترات قصيرة لا يزال غير معتاد اجتماعياً لدى كثير من الملاك، وبعضهم ينظر إليه بوصفه مخاطرة أو ممارسة غريبة عن السوق المحلية. لذلك لا تكتفي الشركات الناشئة ببناء منصة، بل تؤدي أيضاً دوراً تثقيفياً لإقناع الملاك بأن هذا النموذج قد يكون أكثر ربحية من الإيجار السنوي التقليدي.

وفق تقديرات وردت في السوق، يمكن أن تكون عوائد التأجير اليومي أو شبه الفندقي أعلى بكثير من التأجير الطويل، وهو ما يشجع بعض الملاك على التجربة. لكن الانتقال من نموذج إلى آخر يحتاج وقتاً، لأن العائد المالي وحده لا يحل الاعتراضات المتعلقة بالخصوصية أو الأمان أو العادات الاجتماعية.

لهذا، يبدو أن أفضل مسار لنمو هذه المنصات حتى الآن هو الاعتماد على المستخدمين الذين عرفوا هذا النوع من الخدمات في الخارج، ثم نقل التجربة إلى محيطهم المحلي. عندما تحدث حجوزات ناجحة وتتكرر عمليات الدفع ويشعر المالكون بأن العملية آمنة، تبدأ الفكرة في اكتساب شرعية داخل السوق.

فجوة رقمية أعمق من قطاع واحد

ما تواجهه هذه الشركات ليس مشكلة خاصة بقطاع السياحة أو الإقامة فقط، بل جزء من فجوة رقمية أوسع تمتد إلى الاتصالات والخدمات الحكومية والتمويل والتجارة الإلكترونية. تقارير دولية سابقة، بينها تقارير للبنك الدولي، أشارت إلى حجم الضرر الذي أصاب البنية الأساسية في سوريا خلال سنوات الحرب، بما في ذلك الخدمات الضرورية والاستثمار طويل الأجل.

كما تحدثت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية عن حاجة البلاد إلى إعادة بناء شاملة للبنية الرقمية، لا مجرد إصلاحات جزئية. وأشارت إلى مبادرات مثل "Silk Link" و"Barq Net" مع تحديثات تنظيمية تهدف إلى جذب الاستثمارات، إضافة إلى مناقشات مع شركات عالمية بدأت تعيد النظر في السوق السورية، مثل نوكيا وسامسونغ.

إذا تحققت هذه التحسينات خلال الأشهر والسنوات المقبلة، فإن أثرها لن يقتصر على تحسين تجربة المستخدم، بل قد يغيّر اقتصاد الشركات الناشئة بالكامل. انخفاض كلفة الاتصال، وتوسع الخدمات المصرفية، وعودة متاجر التطبيقات والأنظمة العالمية بشكل مستقر، كلها عوامل قد تحول هذه المشاريع من حلول التفافية إلى شركات قابلة للنمو السريع.

سوريا كسوق ناشئ عالي المخاطر

من منظور المستثمرين ورواد الأعمال، تبدو سوريا اليوم سوقاً ناشئاً عالي المخاطر وعالي التعقيد، لكنه في الوقت نفسه يملك فرصاً كبيرة في القطاعات التي تعالج احتياجات أساسية ومباشرة. الإقامة، المدفوعات، الخدمات اللوجستية، التعليم الرقمي، وربما الرعاية الصحية عن بعد، كلها مجالات مرشحة لظهور شركات جديدة إذا تحسنت البيئة التنظيمية والتقنية.

الميزة النسبية الحالية لدى مؤسسي الشتات أنهم يعرفون شكل الخدمة الذي يتوقعه المستخدم العالمي، ويملكون القدرة على بناء هياكل تشغيلية عابرة للحدود. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن النجاح في سوريا سيتطلب منتجات شديدة التكيف مع السوق، لا مجرد نسخ محلية من منصات عالمية.

فالعمل في بيئة تتغير قوانينها اليومية، وتفتقر إلى الاستقرار الاقتصادي الكامل، يحتاج إلى مرونة تشغيلية عالية، وإدارة دقيقة للنقدية، وفهم اجتماعي وثقافي للسوق، إضافة إلى القدرة على التعامل مع واقع لا تزال فيه الخدمات الأساسية غير مستقرة.

بداية صغيرة لكنها كاشفة

قد تبدو منصات الإقامة الرقمية تفصيلاً محدوداً مقارنة بحجم التحديات التي تواجه سوريا، لكنها في الواقع مؤشر مهم على شكل المرحلة المقبلة. فهي تكشف أن إعادة الإعمار لا تبدأ فقط من المشاريع الكبرى أو القرارات الحكومية، بل أيضاً من خدمات يومية تجعل الحركة الاقتصادية ممكنة، وتعيد ربط الأفراد بالمدن والأسواق والمؤسسات.

في هذا المعنى، لا تبني هذه الشركات تطبيقات فحسب، بل تختبر أيضاً ما إذا كان بالإمكان إنشاء اقتصاد رقمي تدريجي داخل بيئة ما زالت تعالج آثار سنوات طويلة من الانقطاع. وإذا نجحت في ذلك، فقد تصبح نموذجاً لقطاعات أخرى تبحث عن نقطة بداية عملية في سوق لا يزال في طور التشكل من جديد.

حتى الآن، ما يحدث في سوريا ليس طفرة تقنية بالمعنى التقليدي، بل تأسيس بطيء لخدمات أساسية كان غيابها يمنع تشكل السوق من الأصل. وهذه بالتحديد هي اللحظة التي تظهر فيها قيمة الشركات الناشئة: عندما تكون مهمتها الأولى ليست تحسين تجربة موجودة، بل إنشاء التجربة من الأساس.