09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

OpenAI وAnthropic تعيدان تعريف المنافسة: من جودة النماذج إلى حبس العملاء داخل المنصات

يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تحولاً لافتاً في معايير المنافسة، إذ لم تعد جودة النموذج اللغوي وحدها كافية لصنع الأفضلية. ومع اقتراب الطرح العام الأولي لشركات كبرى، باتت الإيرادات والهامش الربحي والقدرة على إبقاء العملاء داخل المنظومة هي العوامل الحاسمة. هذا التحول يفسر تسارع OpenAI وAnthropic إلى بناء أدوات برمجة ومنصات عمل يصعب الاستغناء عنها.

تتغير قواعد المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي بسرعة، ولم يعد السؤال الأساسي هو أي شركة تملك النموذج الأكثر ذكاءً فقط. اليوم، أصبحت المعركة الحقيقية تدور حول شيء أكثر عملية: من يستطيع بناء منتج يبقي العميل داخل النظام لفترة أطول، ويحول الاستخدام اليومي إلى إيرادات مستقرة وهوامش ربح أفضل.

هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من الحركة التي نشهدها بين أبرز الشركات الناشئة في المجال، وعلى رأسها OpenAI وAnthropic. فبعد أن كان التركيز في السنوات الماضية منصباً على رفع جودة النماذج اللغوية وزيادة قدرتها على الفهم والتوليد، بدأ المستثمرون والمؤسسون ينظرون إلى السؤال المالي نفسه: هل يمكن تحويل هذه النماذج المكلفة إلى أعمال قابلة للنمو المستدام؟

الجواب، بحسب اتجاه السوق الحالي، أصبح أقل ارتباطاً بالأداء الخام وأكثر صلة بمدى التعلق بالمنتج. فالنموذج الأفضل يمكن أن يُقلَّد أو يُضاهى مع الوقت، لكن المنتج الذي يندمج في سير العمل اليومي للشركة يصبح أصعب كثيراً في الاستبدال. ولهذا، تنتقل شركات الذكاء الاصطناعي من بيع “القدرة” إلى بيع “الاعتماد”.

من سباق النماذج إلى سباق الاحتفاظ بالعملاء

تاريخياً، كان التنافس بين المختبرات الكبرى يتركز على مؤشرات مثل دقة الإجابات، سرعة الاستدلال، أو القدرة على التعامل مع المهام المعقدة. لكن مع تضخم تكاليف التدريب والتشغيل، لم تعد هذه الأفضلية التقنية وحدها كافية لإقناع الأسواق بأن المسار الاقتصادي مضمون.

الاستثمار في النماذج الكبرى يستهلك مليارات الدولارات، فيما يمكن للمنافسين نسخ كثير من الفكرة أو اللحاق بها خلال فترات قصيرة نسبياً. لذلك، بدأت الشركات تتجه إلى بناء منتجات محيطة بالنموذج، تجعل المستخدم يفضل المنصة نفسها حتى لو لم يكن النموذج هو الأقوى دائماً.

في هذا السياق، برزت وجهة نظر داخل القطاع تقول إن الأولوية انتقلت من “تحسين النموذج” إلى “رفع قيمة العميل على المدى الطويل”. وبمعنى آخر، النجاح لم يعد يُقاس فقط بمن ينتج أفضل نموذج، بل بمن ينجح في تحويل النموذج إلى نقطة دخول لمنظومة كاملة من الخدمات والأدوات.

أدوات البرمجة التوليدية تتحول إلى مركز الربحية

أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول يظهر في أدوات البرمجة التوليدية، التي يُنظر إليها داخل القطاع باعتبارها أكثر قيمة تجارية من روبوتات الدردشة العامة. فهذه الأدوات لا تجذب المستخدم لأسئلة قصيرة أو محادثات عابرة، بل تدخل مباشرة في دورة الإنتاج البرمجي داخل الشركات.

عندما يستخدم المطورون أدوات مثل Claude Code أو Codex في مشاريع كبيرة، فإنهم يستهلكون كميات ضخمة من التوكنات، ما يرفع حجم الاستخدام والإيرادات المحتملة. والأهم من ذلك أن هذه الأدوات قد تصبح جزءاً لا يتجزأ من البنية البرمجية للشركة، بحيث يصبح تغييرها لاحقاً مكلفاً ومعقداً.

هذا النوع من الارتباط يمنح الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي نموذج عمل أكثر صلابة من مجرد محادثات عامة. فبدلاً من الاعتماد على الاستخدام العرضي، يصبح المنتج مدمجاً في سلسلة العمل نفسها، من كتابة الشيفرة إلى صيانتها، وربما إلى بناء أنظمة كاملة تعتمد عليه في التشغيل اليومي.

كما أن هذا التحول يشرح لماذا تعمل الشركات الكبرى على توسيع هذه الأدوات لتصبح منصات متعددة الاستخدام، وليس مجرد وظائف منفصلة داخل تطبيقات الدردشة. الفكرة هنا هي جعل بيئة العمل نفسها متمركزة حول الأداة، لا حول النموذج فقط.

الشركات الناشئة تبحث عن منتجات يصعب التخلي عنها

في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الجديد، لا يكفي أن تدهش المستخدم مرة واحدة. الأهم هو أن تعيد استدعاءه كل يوم. لهذا، تركّز الشركات الناشئة على بناء ما يمكن وصفه بمنتجات “الاحتفاظ”، أي تلك التي تدخل في البنية اليومية للعمل وتصبح مكلفة من حيث الوقت والمال والجهد إذا أراد العميل الاستغناء عنها.

هذه الاستراتيجية مهمة بشكل خاص مع اقتراب بعض الشركات من الطرح العام الأولي، إذ يصبح المستثمرون أقل اهتماماً بالضجة التقنية وأكثر تركيزاً على المؤشرات المالية: نمو الإيرادات، تكلفة الاستحواذ، والهامش الربحي. وفي هذه المرحلة، يصبح المنتج الذي يولد استخداماً متكرراً واشتباكاً عميقاً مع العميل أكثر قيمة من منتج يثير الاهتمام لكنه لا يضمن تكرار العائد.

وتعكس هذه الديناميكية أيضاً تغيراً في فلسفة بناء الشركات الناشئة. ففي السابق، كان الهدف إثبات أن النموذج قادر على منافسة الآخرين تقنياً. أما الآن، فالسؤال هو: هل يمكن تحويل هذا التفوق إلى حاجز استخدام فعلي يمنع خروج العميل بسهولة؟

المؤسسات الكبرى لا تريد الوقوع في فخ المزود الواحد

رغم أن الشركات المزودة للذكاء الاصطناعي تحاول إحكام ارتباط العملاء بها، فإن المؤسسات الكبرى تتحرك في الاتجاه المعاكس جزئياً. كثير من هذه الشركات بدأت تبني أدواتها الداخلية الخاصة، أو على الأقل تحاول الاحتفاظ بخيار تبديل النماذج بين مزود وآخر بحسب الكلفة والأداء.

هذا النهج لا يقتصر على تقليل الاعتماد على شركة واحدة، بل يهدف أيضاً إلى التحكم في التكاليف وتفادي أي قيود مستقبلية مرتبطة بالتسعير أو التوفر أو شروط الاستخدام. بالنسبة للمؤسسات الكبيرة، المرونة أصبحت قيمة استراتيجية بقدر أهمية الأداء نفسه.

كما أن بناء أدوات داخلية يمنح هذه المؤسسات قدرة أكبر على تخصيص حلولها بما يتوافق مع احتياجاتها الخاصة. وفي سوق سريع التغير، قد يكون هذا النهج هو الوسيلة الأفضل لتجنب الارتهان الكامل لأي منصة واحدة، مهما كانت متقدمة.

المرحلة التالية في سوق الذكاء الاصطناعي

ما يحدث اليوم يشير إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر نضجاً، حيث لم تعد المنافسة محصورة في المختبرات أو سجلات الاختبارات المعيارية. المعركة الآن تدور حول من ينجح في بناء طبقة تطبيقية تجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التشغيلية للشركات، لا مجرد أداة استشارية أو ترف تقني.

بالنسبة للشركات الناشئة، يحمل هذا التحول درساً واضحاً: القيمة الحقيقية قد لا تكون في النموذج نفسه، بل في الطريقة التي يُعبأ بها داخل منتج يغير سلوك العميل ويصعب استبداله. ومن هنا، يبدو أن مستقبل المنافسة سيُحسم بقدرة كل شركة على تحويل الذكاء إلى اعتماد، والاعتماد إلى إيراد متكرر، والإيراد المتكرر إلى نمو قابل للاستمرار.