دخلت تونس مرحلة جديدة في مسار الشركات الناشئة بعد أن تحولت صفقة استحواذ بارزة إلى إشارة قوية على أن السوق المحلية قادرة على إنتاج شركات تقنية ذات قيمة عالمية. فقد أدى استحواذ شركة BioNTech الألمانية في عام 2023 على شركة InstaDeep التونسية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي مقابل 549 مليون دولار إلى تغيير نظرة المستثمرين وصناع السياسات إلى إمكانات القطاع. لم تعد تونس تُنظر فقط كمصدر للمهندسين أو مركز للتعهيد، بل كسوق يمكن أن يخرج شركات تبني منتجات وتقنيات قابلة للتوسع خارج الحدود.
هذا التحول لم يأت من فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، استفادت البلاد من مزيج يجمع بين الكفاءات التقنية، وانخفاض كلفة التشغيل مقارنة بالأسواق الأوروبية، وسياسات عامة صممت خصيصاً لتخفيف المخاطر عن المؤسسين. ومع ظهور نماذج نجاح واضحة، بدأت شركات ناشئة جديدة تتجه إلى مجالات عملية مثل أبحاث الأدوية والسياحة الرقمية والألعاب، بدلاً من الاكتفاء بتقديم خدمات برمجية لعملاء خارجيين.
صفقة واحدة صنعت أثراً يتجاوز قيمتها المالية
عادة ما تشكل صفقات الاستحواذ الكبيرة نقطة تحول في أي منظومة ناشئة، لأنها تقدم دليلاً ملموساً على إمكانية بناء شركة ثم الخروج منها بعائد كبير. وهذا ما حدث في تونس مع InstaDeep. فإتمام الصفقة لم يكن مجرد حدث مالي، بل رسالة إلى السوق بأن الشركات المحلية تستطيع تطوير تقنيات متقدمة تجذب شركات عالمية كبرى.
انعكس هذا التطور على وتيرة النشاط في السوق. إذ شهدت البلاد إطلاق أكثر من 1450 شركة ناشئة جديدة، بالتوازي مع زيادة الدعم الحكومي. هذا الرقم يعكس اتساع قاعدة المؤسسين، كما يشير إلى ارتفاع الثقة في إمكانية تحويل الأفكار التقنية إلى شركات حقيقية. في مثل هذه البيئات، يكون للأمثلة الناجحة أثر مضاعف: فهي تقنع المستثمر، وتشجع المؤسس، وتدفع الحكومة إلى توسيع برامجها.
قانون Startup Act وفر شبكة أمان نادرة
أحد العوامل الأساسية وراء تسارع المشهد التونسي هو قانون Startup Act الذي أُطلق في 2018. هذا الإطار التنظيمي لم يكتفِ بمنح صفة رسمية للشركات الناشئة، بل وفر حوافز مباشرة جعلت تجربة التأسيس أقل مخاطرة، وهي نقطة حاسمة في الاقتصادات التي يتردد فيها كثيرون بترك الوظائف المستقرة للدخول في ريادة الأعمال.
يتضمن القانون مزايا متعددة، من بينها منح حكومية ومخصصات شهرية للمؤسسين تتراوح تقريباً بين 320 و1600 دولار. كما يتيح لبعض الموظفين الحصول على إجازة قد تصل إلى عامين لتأسيس شركة ناشئة، مع إمكانية العودة إلى وظائفهم إذا لم تنجح التجربة. هذه الآلية مهمة لأنها تقلل من الكلفة الشخصية للفشل، وهو ما يفتح الباب أمام عدد أكبر من الكفاءات لتجربة بناء شركات خاصة.
الهدف من هذه السياسة يتجاوز دعم عدد محدود من الشركات. فالحكومة التونسية سعت عبر هذا القانون إلى خفض العوائق أمام تأسيس الأعمال، وخلق وظائف جديدة، والاحتفاظ بجزء أكبر من المواهب الشابة داخل البلاد. وفي سوق تعاني تحديات مرتبطة بهجرة الكفاءات، يصبح دعم الشركات الناشئة جزءاً من سياسة اقتصادية أوسع.
من التعهيد إلى بناء منتجات محلية قابلة للتصدير
على مدى سنوات، ارتبط اسم تونس في المجال التقني بخدمات التعهيد الموجهة إلى أوروبا، مستفيدة من القرب الجغرافي وتوافر المهارات التقنية. لكن المرحلة الحالية تظهر تحولاً واضحاً نحو بناء منتجات خاصة تستهدف احتياجات محلية وإقليمية، مع إمكانية التوسع في أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
هذا التغيير مهم لأن نموذج التعهيد، رغم أهميته في خلق وظائف وتدريب المهارات، يبقى محدوداً من حيث بناء الملكية الفكرية والقيمة طويلة الأجل. أما عندما تطور الشركة منتجها الخاص، فإنها ترفع فرص النمو، وتجذب استثماراً أعلى، وتبني علامة تجارية وتقنية يمكن تصديرها. ويبدو أن عدداً متزايداً من الشركات التونسية بدأ يسلك هذا الطريق، خصوصاً في المجالات التي تتقاطع فيها البرمجيات مع احتياجات واضحة في السوق.
الذكاء الاصطناعي يدخل إلى أبحاث الدواء
في قطاع التقنية الصحية، تظهر شركة DrugIT كمثال على هذا الاتجاه الجديد. تعمل الشركة على استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات البحث والتطوير في الصناعات الدوائية. الفكرة الأساسية تقوم على تقليل الاعتماد الكامل على الاختبارات المخبرية المكلفة والبطيئة، عبر بناء نماذج حاسوبية تساعد الباحثين على توقع سلوك المركبات واختيار الخيارات الأكثر وعداً في مرحلة مبكرة.
هذا النوع من الحلول يمكن أن يختصر الوقت والإنفاق في مراحل اكتشاف الدواء، خاصة عندما يرتبط أيضاً بمحاكاة التجارب السريرية أو دراسة التركيبات الدوائية رقمياً قبل الانتقال إلى الاختبارات المتقدمة. بالنسبة لتونس، يمثل هذا التوجه انتقالاً من دور المستهلك أو المستورد إلى دور يشارك في البحث العلمي وتطوير أدواته.
كما تستفيد الشركة من برامج دعم وطنية مثل Flywheel، التي قدمت منحاً أولية لتطوير النماذج الأولية لمئات الشركات. وتخطط الشركة للتوسع في بعض مناطق أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يعكس طبيعة السوق التي تستهدفها الشركات التونسية الجديدة: أسواق قريبة من حيث الاحتياجات، وتحتاج حلولاً أقل كلفة وأكثر مرونة.
السياحة الرقمية كامتداد للاقتصاد الثقافي
تمتلك تونس تسعة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، من بينها قرطاج والقيروان ومدن عتيقة ومواقع رومانية بارزة. ورغم هذا الرصيد الثقافي، لا تزال كثير من هذه الوجهات بحاجة إلى أدوات رقمية تواكب توقعات الزائر الحديث الذي يعتمد على الهاتف والتجربة التفاعلية في التنقل وفهم المكان.
في هذا السياق، طورت شركة Dourb’ia دليلاً رقمياً يعتمد على الواقع المعزز والنماذج ثلاثية الأبعاد والجولات الافتراضية بزاوية 360 درجة لإعادة تقديم المواقع التاريخية بطريقة أكثر تفاعلاً. كما يوفر التطبيق أدوات تساعد الزائر على التنقل داخل المواقع الأثرية، وتحديد مسارات بحسب الوقت المتاح ونمط الرحلة، بما في ذلك مسارات بالدراجات حول قرطاج.
هذا النموذج يوضح كيف يمكن للشركات الناشئة أن تبني حلولاً تتقاطع فيها التقنية مع أصول اقتصادية موجودة بالفعل. فبدلاً من استيراد أفكار بعيدة عن السياق المحلي، يجري تطوير منتجات تنطلق من احتياجات واضحة في قطاعات تملك تونس فيها ميزة طبيعية أو تاريخية.
الألعاب تتحول إلى صناعة إبداعية ناشئة
قطاع الألعاب هو الآخر يشهد تغيراً في تونس، مدفوعاً بقاعدة سكانية شابة ومجتمع إبداعي آخذ في التوسع. وبينما ارتبط العمل في الألعاب سابقاً بخدمات تنفيذية أو أعمال خارجية لصالح شركات أخرى، بدأت استوديوهات محلية في بناء مشاريعها الخاصة، مع التركيز على السرد والهوية الثقافية.
من بين هذه الشركات Kicksoft، التي تعد من أوائل الاستوديوهات في شمال أفريقيا التي تركز على ألعاب الرواية التفاعلية، وهو نوع يعتمد بشكل كبير على القصة. تعمل الشركة على لعبة Kayotica المقررة للإطلاق على منصة Steam في فبراير 2026، وهي لعبة باللغة الإنجليزية تستخدم الذكاء الاصطناعي في أسلوب اللعب التحقيقي، مع اعتماد أكبر على سرد محلي بدلاً من القوالب الغربية أو الشرق آسيوية التقليدية في هذا النوع.
حصول الشركة على صفة Startup Act في سبتمبر 2022 منحها وصولاً إلى دعم رسمي، بما في ذلك مزايا مرتبطة بالحماية الاجتماعية للمطورين وفرص برامج التبادل الدولية. هذا المثال يعكس أن قطاع الألعاب لم يعد نشاطاً هامشياً، بل بدأ يدخل ضمن الصناعات الرقمية التي يمكن أن تصدر محتوى ثقافياً وتقنياً في الوقت نفسه.
ميزة الكلفة والمواهب تمنح تونس قاعدة تنافسية
من العناصر التي تدعم هذا الزخم أن كلفة بناء الشركات في تونس تبقى أقل بكثير من أوروبا، وهو ما يمنح الشركات الناشئة هامشاً أفضل لتطوير منتجاتها قبل الحاجة إلى جولات تمويل كبيرة. وعندما تقترن هذه الميزة بوفرة المواهب التقنية، يصبح السوق أكثر جاذبية للمؤسسين والمستثمرين.
تخرج تونس نحو 10 آلاف مهندس في تقنية المعلومات سنوياً، وكثير منهم يتمتعون بخلفية تقنية قوية وقدرة على العمل بعدة لغات. هذا العامل مهم للشركات التي تستهدف أسواقاً متنوعة في أوروبا والخليج وأفريقيا. كما يساعد على بناء فرق تستطيع تطوير منتجات محلية بمعايير تنافسية عالمية.
التحدي المقبل هو التوسع لا التأسيس فقط
رغم المؤشرات الإيجابية، يبقى التحدي الرئيسي أمام المنظومة التونسية هو الانتقال من مرحلة تأسيس الشركات إلى مرحلة التوسع الإقليمي والدولي بشكل متكرر. فنجاح صفقة واحدة مهم، لكنه لا يكفي وحده لبناء نموذج مستدام. المطلوب هو تحويل هذا النجاح إلى مسار يمكن تكراره عبر تمويل أفضل في المراحل اللاحقة، وتسهيل التوسع خارج السوق المحلية، وربط الشركات بعملاء وشركاء عالميين.
لهذا يبرز الحديث عن مرحلة سياسات جديدة يشار إليها أحياناً باسم Startup Act 2.0. وإذا نجحت هذه المرحلة في معالجة فجوات النمو والتمويل والتوسع، فقد تتمكن تونس من تثبيت موقعها كإحدى أكثر بيئات الشركات الناشئة نشاطاً في شمال أفريقيا. وحتى الآن، يبدو أن السوق انتقلت فعلاً من سردية تصدير المهارات إلى سردية بناء شركات ومنتجات، وهي خطوة أساسية في نضج أي منظومة ريادية.
المؤشرات الحالية توحي بأن تونس لم تعد تعتمد فقط على قصة نجاح منفردة، بل بدأت تبني قاعدة أوسع من الشركات التي تعمل في قطاعات عملية وقابلة للنمو. وإذا استمرت هذه الديناميكية، فقد تصبح صفقة InstaDeep بداية فصل جديد في الاقتصاد الرقمي التونسي، لا مجرد حدث استثنائي في تاريخه.