تكشف بيانات حديثة عن سوق العمل في الولايات المتحدة أن موجة تبني الذكاء الاصطناعي بدأت تترك أثراً مباشراً على التوظيف، خصوصاً في قطاعي التقنية والمال. وبحسب مراجعة لبيانات حكومية ربطتها مؤسسات إعلامية بتسارع استخدام الأدوات الذكية داخل الشركات الكبرى، فقد خسر القطاعان مجتمعين نحو 28 ألف وظيفة شهرياً خلال 2026.
هذه الأرقام لا تعكس تباطؤاً عابراً بقدر ما تشير إلى مرحلة جديدة في إعادة تشكيل الوظائف داخل الشركات. فمع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في البرمجة، والبحث، وتحليل البيانات، والأعمال الإدارية المساندة، تتراجع الحاجة إلى بعض الأدوار التقليدية التي كانت تشكل العمود الفقري لفرق العمل في المؤسسات الكبرى.
التسريحات تتسارع في التقنية وتنعكس على المال
بيانات شركة Challenger المتخصصة في رصد التسريحات أظهرت أن يونيو الماضي سجل 45,849 عملية تسريح، وهو مستوى أقل من الأشهر السابقة، لكنه لا يغير الصورة العامة للعام الجاري. قطاع التقنية بقي الأكثر تأثراً، مع إعلان 15,503 عملية تسريح في شهر واحد، ليصل إجمالي ما أعلنه القطاع في النصف الأول من 2026 إلى 139,156 وظيفة، بزيادة 83% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتشير البيانات نفسها إلى أن الذكاء الاصطناعي كان العامل المرتبط بـ 101,743 عملية تسريح حتى الآن هذا العام، وهو ما يمثل 23% من إجمالي التخفيضات المسجلة. هذا الرقم مهم لأنه يوضح أن تأثير التكنولوجيا لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يمتد أيضاً إلى إعادة تعريف حجم القوى العاملة المطلوبة في بعض الأقسام.
في قطاع المال، تبدو الصورة مشابهة من حيث الاتجاه، حتى لو اختلفت أشكال التنفيذ. فالمؤسسات المالية تتجه هي الأخرى إلى أتمتة أجزاء واسعة من أعمال المكتب الخلفي، ومعالجة البيانات، والعمليات المتكررة، وهي وظائف كانت حتى وقت قريب تعتمد على فرق بشرية كبيرة نسبياً.
الوظائف الأكثر عرضة للتغيير
المتأثرون أولاً هم العاملون في الأدوار التي يمكن تحويلها إلى عمليات رقمية بسهولة. وتشمل هذه الفئات وظائف الدعم الإداري، وبعض مهام البرمجيات المتكررة، وتحليل البيانات الأولي، وخدمات المراجعة الداخلية، وأجزاء من العمليات التشغيلية التي لم تعد تحتاج إلى تدخل بشري مستمر.
في المقابل، لا يبدو أن الأثر موزع بالتساوي داخل السوق. فبينما تتراجع بعض الوظائف، يزداد الطلب على مجالات أخرى مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي نفسه، مثل رقائق الحوسبة، ومراكز البيانات، والبنية السحابية، وهندسة النماذج، وإدارة البنية التحتية الرقمية. وهذا يفسر كيف يمكن أن تشهد بعض الشركات تخفيضات واسعة في العمالة، في الوقت نفسه الذي توسع فيه استثماراتها التقنية.
النتيجة هي تحول واضح في طبيعة سوق العمل: وظائف تتقلص، وأخرى تظهر، وثالثة تتغير مهامها الأساسية. وهذا النوع من التحول عادة ما يكون أصعب على العاملين وعلى الشركات الناشئة على حد سواء، لأنه يتطلب إعادة تدريب مستمرة وسرعة في التكيف مع أدوات جديدة تتطور بوتيرة متسارعة.
شركات كبرى تعيد هيكلة فرقها
التحول لا يظهر في الإحصاءات العامة فقط، بل في قرارات شركات معروفة أيضاً. فقد خفضت Oracle نحو 21 ألف وظيفة، أي ما يعادل 13% من قوتها العاملة، مع الإشارة إلى التحول نحو حلول الذكاء الاصطناعي كأحد دوافع إعادة الهيكلة. كما قلصت Robinhood حجم قوتها العاملة بنحو 10% في سياق مشابه يرتبط بإعادة توزيع الموارد والاعتماد على أنظمة أكثر أتمتة.
حتى القطاعات الإبداعية لم تبقَ بمنأى عن هذا التغيير. فقد أدى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى خفض تكاليف الرسوم المتحركة بشكل حاد في بعض الشركات، ما انعكس على عدد كبير من العاملين في مجالات الإنتاج البصري وصناعة المحتوى. وهذا يوضح أن أثر الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التقنية والمال، بل يمتد إلى قطاعات كانت تعتبر أقل عرضة للتشغيل الآلي.
لكن التفسير لا يحظى بإجماع كامل داخل وادي السيليكون. بعض القيادات التنفيذية ترى أن ربط كل موجة تسريح بالذكاء الاصطناعي قد يكون مبالغاً فيه، وأن الشركات ما تزال في مرحلة تعلم كيفية استخدام هذه الأدوات بكفاءة، وليس بالضرورة أنها وصلت إلى الحد الأقصى من استبدال الوظائف.
القلق من فقدان الوظائف يتزايد
في الشارع الأميركي، تتزايد المخاوف من أن الأتمتة ستؤدي إلى تقلص فرص العمل التقليدية بوتيرة أسرع من قدرة السوق على خلق بدائل جديدة. وتظهر استطلاعات رأي حديثة أن هذه المخاوف باتت أكثر وضوحاً، خصوصاً مع تزايد الحديث عن اعتماد الشركات الكبرى على أدوات الذكاء الاصطناعي في المبيعات، وخدمة العملاء، والتحليل، والتطوير البرمجي.
وفي الوقت نفسه، تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى الدفاع عن هذا الاتجاه بوصفه مساراً لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف. غير أن الفجوة بين خطاب الإنتاجية والواقع الوظيفي تبقى واسعة، خاصة عندما تكون النتيجة المباشرة هي خفض أعداد الموظفين أو إعادة توزيع المهام على فرق أصغر.
هذا التباين يوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين العمليات، بل أصبح عاملاً استراتيجياً يعيد رسم موازين التوظيف داخل الشركات. ومع أن الأثر طويل المدى لا يزال غير محسوم، فإن الإشارات الحالية تؤكد أن مرحلة التحول لن تكون مؤقتة أو محدودة.
سوق العمل يدخل مرحلة جديدة
المشهد الأوسع يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون في بداية دورة جديدة من إعادة الهيكلة الوظيفية، تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع تسارع الابتكار التقني. وفي هذه المرحلة، تصبح الشركات الناشئة والكبرى على حد سواء مطالبة بمراجعة نماذج التوظيف، ليس فقط لخفض التكاليف، بل أيضاً لضمان القدرة على المنافسة في سوق يتغير بسرعة.
الأسئلة الأهم الآن لا تتعلق فقط بعدد الوظائف التي ستُفقد، بل بنوع الوظائف التي ستُخلق، والمهارات التي ستصبح أكثر طلباً، والقطاعات التي ستستفيد من هذا التحول. فكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى الكفاءات القادرة على تصميم هذه الأدوات وإدارتها وتكييفها مع احتياجات الأعمال.
حتى تتضح الصورة بشكل أكبر في تقارير التوظيف المقبلة، يبقى المؤشر الأبرز هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد وعوداً مستقبلية للشركات، بل أصبح عنصراً مباشراً في قراراتها التشغيلية، وفي بعض الحالات، في قراراتها المتعلقة بالقوى العاملة أيضاً.