شهد القطاع التقني في 2026 واحدة من أكبر موجات خفض الوظائف منذ سنوات، في تطور يعكس تحوّلًا أعمق من مجرد تقليص نفقات تشغيلية. فالكثير من الشركات الكبرى باتت تربط قراراتها الخاصة بالقوى العاملة بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وبحاجتها إلى فرق أصغر وأكثر تخصصًا وأكثر اعتمادًا على الأتمتة.
المفارقة الأساسية في هذه الموجة أن عدداً من الشركات المعنية واصل تسجيل إيرادات قوية أو حتى قياسية، ومع ذلك لجأت إلى التسريحات وإعادة توزيع المهام. وهذا ما جعل 2026 عامًا فارقًا في النقاش حول العلاقة بين النمو التكنولوجي وفرص العمل داخل شركات البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.
الذكاء الاصطناعي يتحول من أداة نمو إلى مبرر لإعادة الهيكلة
خلال العام، تكررت الإشارات من الإدارات التنفيذية إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد استثمار مستقبلي، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في إعادة تصميم الوظائف. في كثير من الحالات، لم تعد الشركات تتحدث فقط عن خفض التكاليف، بل عن تقليص الأدوار التقليدية التي ترى أنها أصبحت قابلة للأتمتة أو أقل ضرورة مع توسع الأدوات الذكية.
هذا الاتجاه شمل وظائف إدارية، وفرق دعم، ومناصب في التسويق وإدارة المنتجات، إلى جانب بعض الوظائف التقنية المتوسطة التي أعيد دمجها أو استبدالها بوحدات أكثر ارتباطًا بتطوير النماذج الذكية وتشغيلها. وبهذا المعنى، لم تعد إعادة الهيكلة مرتبطة بموجات تباطؤ اقتصادي فقط، بل بانتقال داخلي في طريقة بناء الشركات نفسها.
شركات كبرى تتصدر موجة التخفيضات
من بين أبرز الأسماء التي اتخذت خطوات واسعة خلال 2026، جاءت Oracle في مقدمة العناوين بعد أن خفّضت قوتها العاملة بنحو 21 ألف وظيفة، أي ما يقارب 13% خلال عام واحد. وأشارت الشركة في تقاريرها المالية إلى أن الاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي كان، وسيظل، جزءًا من سبب تقليص عدد الوظائف.
كما استغنت GitLab عن 350 موظفًا، أي ما يعادل 14% من قوتها العاملة، في إطار إعادة توجيه الموارد نحو البنية الخاصة بالذكاء الاصطناعي والاستعداد لمستويات نمو أعلى. ورافقت ذلك خطوات مثل تقليص المناصب الإدارية والخروج من 22 دولة، ما يعكس إعادة ضبط شاملة لطريقة التشغيل.
أما Google فواصلت تقليص بعض الفرق داخل الحوسبة السحابية، خصوصًا في إدارات مرتبطة بالمعلومات الاستخبارية والتهديدات. ورغم عدم إعلان أرقام رسمية نهائية على نطاق واسع، فإن تقديرات خارجية تحدثت عن الاستغناء عن ما بين 1500 وأكثر من 3000 موظف خلال العام.
وفي السياق نفسه، أعلنت Intuit الاستغناء عن 3000 وظيفة، أي نحو 17% من العاملين، ضمن هيكلة جديدة تركز بوضوح على الذكاء الاصطناعي وتقليل التعقيد الإداري. كما سرحت Meta نحو 8000 موظف، بينما جرى تحويل 7000 آخرين إلى أدوار أكثر تخصصًا في الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس انتقالًا من خفض الحجم إلى إعادة تشكيل المهارات.
من تقليص الدعم إلى تقوية الفرق المتخصصة
لم تقتصر الموجة على الشركات التي تبني نماذج الذكاء الاصطناعي مباشرة. فقد دخلت شركات البنية التحتية والبرمجيات والأمن الرقمي على الخط أيضًا. Cisco خفضت قرابة 4000 وظيفة ضمن إعادة توزيع الموارد نحو التقنيات الحديثة، بينما استغنت Cloudflare عن 1100 موظف، معظمهم من المناصب الوسطى، في وقت كانت فيه الشركة تسجل أعلى إيرادات فصلية في تاريخها.
وفي IBM، امتدت التخفيضات على مدار العام مع تقديرات أشارت إلى استغناء الشركة عن آلاف الوظائف في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، توسعت الشركة في التوظيف المرتبط بالذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، كما استبدلت أكثر من 200 وظيفة في الموارد البشرية بمساعدات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هذا النمط يتكرر لدى شركات أخرى مثل Salesforce، التي أنهت عقود نحو 1000 موظف في التسويق وإدارة المنتجات، بعد أن كانت قد قلّصت سابقًا فريق الدعم الفني بنحو 4000 وظيفة. وذكرت الشركة أن وكلاء الذكاء الاصطناعي خففوا الحاجة إلى بعض أنماط التوظيف التقليدية في الدعم.
القطاع المالي والتقني يواجهان المعادلة نفسها
لم تكن شركات البرمجيات وحدها في قلب التحول. Coinbase خفّضت 700 وظيفة، أي 14% من قوتها، في محاولة لتسريع الأداء ومجاراة كفاءة الذكاء الاصطناعي. أما PayPal فكشفت عن خطة لخفض القوى العاملة بنسبة 20% على مدى ثلاث سنوات، بما يزيد على 4500 وظيفة، ضمن تحول تدريجي نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة الذكية.
وفي قطاع الأجهزة والبنية التحتية، قلصت Dell عدد موظفيها بنحو 11 ألفًا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى مارس، بالتزامن مع توقعات متزايدة بإيرادات الخوادم المخصصة للذكاء الاصطناعي. أما Block فخفضت فريقها بنحو 4000 موظف تقريبًا، معتبرة أن الفرق الأصغر المدعومة بالأدوات الذكية أصبحت أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية.
كما أعلنت Snap عن تسريح 1000 موظف وإغلاق 300 وظيفة شاغرة، وربطت القرار بتسارع الذكاء الاصطناعي وتراجع الحاجة إلى بعض الأعمال الروتينية. وفي General Motors، جاء تقليص 500 إلى 600 وظيفة متزامنًا مع تغيرات تقنية أوسع، بينها الاستعداد لتوظيف متخصصين في الذكاء الاصطناعي والسيارات المستقلة.
ما الذي تكشفه الموجة عن مستقبل العمل التقني؟
الأرقام المتراكمة خلال 2026 توضح أن التسريحات لم تعد رد فعل مؤقتًا على ضغوط السوق، بل جزءًا من إعادة تعريف داخلية لمفهوم الإنتاجية في الشركات التقنية. فالإدارة التنفيذية باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة لتقليل عدد الطبقات الإدارية، وتسريع القرار، وتقليص الوظائف التي تعتمد على الأعمال المتكررة أو التنظيمية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الطلب على المهارات التقنية يتراجع بالكامل. على العكس، تشير الخطوات الأخيرة إلى انتقال واضح من التوظيف الواسع إلى التوظيف الانتقائي، حيث ترتفع قيمة المهارات المرتبطة بتطوير النماذج، ودمج الأنظمة، وتحليل البيانات، وإدارة البنية السحابية، والأمن السيبراني، والتعامل مع أدوات الأتمتة.
وبينما تواصل الشركات الكبرى الإعلان عن نتائج مالية قوية، تبدو الرسالة الأهم في 2026 أن النمو لم يعد يرتبط بالضرورة بتوسيع عدد الموظفين. فالمعادلة الجديدة تقوم على فرق أصغر، إنتاجية أعلى، واعتماد أكبر على الذكاء الاصطناعي في عمليات كانت حتى وقت قريب تعتمد على البشر بشكل مباشر.
وبهذا المعنى، تمثل موجة التسريحات الحالية أكثر من مجرد سلسلة قرارات إدارية؛ إنها مؤشر على التحول البنيوي الذي يعيشه القطاع التقني، والذي قد يواصل إعادة رسم سوق العمل خلال السنوات المقبلة إذا استمر توسع الأتمتة بالوتيرة نفسها.