تحول واضح في منظومة التمويل
شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً في بيئة الاستثمار الموجه للشركات الناشئة، بحسب ما يراه حسين العطار، الرئيس التنفيذي لشركة Tech Invest. ويؤكد العطار أن هذا التحول لم يكن عابراً، بل جاء نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها المبادرات الحكومية، وتنامي حجم الاستثمارات، واتساع قاعدة الجهات الداعمة للمؤسسين في المراحل المبكرة.
ويشير إلى أن السوق لم تعد تعتمد على منطق النمو التقليدي في تمويل المشاريع الجديدة، بل دخلت مرحلة أكثر نضجاً تتسم بوضوح أكبر في القواعد التنظيمية، وارتفاع مستوى الاهتمام بالشركات التقنية القادرة على التوسع السريع. هذا التحول، وفق رؤيته، جعل المملكة من أبرز الأسواق الإقليمية الجاذبة لرأس المال الجريء.
2019 كانت نقطة انعطاف رئيسية
يربط العطار بين التغيرات الحالية وبين عام 2019، الذي يصفه بأنه محطة مفصلية في تطور مشهد رأس المال الجريء داخل المملكة. ففي تلك الفترة، بدأت السوق تشهد صفقات استحواذ لافتة، إلى جانب إطلاق مبادرات حكومية أسهمت في تأسيس جهات متخصصة بدعم وتمويل الشركات الناشئة، خاصة في بداياتها الأولى.
ويضيف أن هذه التطورات ساعدت على بناء بيئة أكثر تكاملاً لريادة الأعمال، حيث باتت الشركات الجديدة تجد مساراً أوضح من حيث التمويل، والدعم، وفرص النمو. كما انعكس ذلك على ثقة المستثمرين، الذين صاروا أكثر استعداداً للمشاركة في جولات التمويل المبكرة والمتقدمة على حد سواء.
ومن وجهة نظره، فإن أهمية 2019 لا ترتبط فقط بزيادة حجم الصفقات، بل بكونها السنة التي بدأت فيها المنظومة تتحول من جهود متفرقة إلى بنية أكثر تنظيماً واتساعاً.
السعودية أصبحت أكثر جذباً للمؤسسين
يؤكد العطار أن السعودية باتت اليوم واحدة من أكثر الأسواق الإقليمية جاذبية للشركات الناشئة، بسبب التحسينات المستمرة في البيئة الاستثمارية والتنظيمية، إضافة إلى تنوع المبادرات التي تستهدف رواد الأعمال. وهذا، في رأيه، خلق بيئة تسمح للمؤسسين بتحويل الأفكار إلى شركات قابلة للنمو والتوسع.
كما يشير إلى أن تطور التشريعات لم ينعكس فقط على سهولة تأسيس الشركات، بل شمل أيضاً زيادة فرص الوصول إلى رأس المال، وهو عنصر أساسي لأي منظومة ناشئة. ومع ارتفاع الاهتمام المحلي والدولي بالسوق، أصبح بإمكان الشركات السعودية التفكير منذ البداية في التوسع داخل المملكة ثم نحو أسواق المنطقة.
ويرى العطار أن هذه الجاذبية لم تأتِ نتيجة عامل واحد، بل بسبب تلاقي سياسات داعمة مع نشاط القطاع الخاص، ومع نمو واضح في شهية المستثمرين تجاه الحلول التقنية القابلة للتوسع.
الفريق المؤسس بات العامل الحاسم
من النقاط التي يركز عليها العطار في تقييم الشركات الناشئة أن الفكرة وحدها لم تعد كافية للحصول على الاستثمار. فالمستثمرون، بحسب قوله، باتوا ينظرون بدرجة أكبر إلى الفريق المؤسس، وقدرته على التنفيذ، وإدارة التحديات، وتطوير المنتج، ومواكبة النمو.
ويضيف أن السوق أصبحت أكثر وعياً بأهمية بناء نموذج أعمال مستدام، لا يعتمد فقط على الابتكار النظري، بل على القدرة على تحويل الفكرة إلى شركة لديها فرصة حقيقية للربحية والتوسع. لذلك، فإن المؤسسين الذين يمتلكون خبرة تنفيذية، وفهماً للسوق، وانضباطاً في التنفيذ، هم الأكثر قدرة على جذب التمويل.
كما يلفت إلى أن المستثمرين يهتمون بحجم السوق المستهدف، وإمكانات التوسع، ومدى قابلية المنتج للنمو خارج نطاقه الأولي. وهذه المعايير، في رأيه، أصبحت تمثل قاعدة أساسية في قرارات الاستثمار الجريء الحديثة.
توسع في خيارات التمويل عبر مراحل النمو
من أبرز ملامح النضج في السوق السعودية، وفق العطار، توسع منظومة التمويل لتشمل مختلف مراحل نمو الشركة. فبدلاً من اقتصار الخيارات على جولة أو مرحلتين، باتت الشركات الناشئة قادرة على الوصول إلى تمويل مناسب في مرحلة الفكرة، ثم في مرحلة التأسيس، ثم عند التوسع والنمو.
هذا التنوع يمنح الشركات مساحة أكبر للتخطيط، ويقلل من الفجوات التي كانت تواجهها بعض المشاريع في السابق، خاصة عندما تنتقل من مرحلة إثبات الفكرة إلى مرحلة بناء العمليات التجارية. كما أن وجود مستثمرين متخصصين في كل مرحلة يعزز فرص النجاح، لأن كل فئة من المستثمرين تفهم طبيعة المخاطر والاحتياجات المختلفة.
ويعتبر العطار أن هذا التطور ساعد في رفع عدد الشركات التقنية التي ترى السوق السعودية كبيئة مناسبة للانطلاق وليس مجرد سوق نهائية للبيع.
اهتمام دولي متزايد بالسوق المحلية
يتحدث العطار أيضاً عن الحضور المتزايد للمستثمرين الدوليين في السعودية، معتبراً أن ذلك يعكس ثقة متنامية في إمكانات السوق. فالنمو المتواصل في الشركات التقنية، وارتفاع حجم الصفقات، وتحسن بيئة الأعمال، كلها عناصر جعلت المملكة تبدو من أسرع الأسواق نمواً في المنطقة من حيث الاستثمار الجريء.
ويضيف أن دخول المستثمر الأجنبي لا يعني فقط توفير التمويل، بل يفتح الباب أمام انتقال الخبرات والمعايير العالمية إلى السوق المحلية. وهذا قد يرفع جودة الإدارة، ويحسن معايير الحوكمة، ويوسع شبكة العلاقات أمام الشركات السعودية الناشئة.
كما يساهم هذا الاهتمام الخارجي في منح الشركات المحلية فرصاً أكبر للتوسع الإقليمي، سواء عبر الشراكات أو عبر بناء منتجات تستهدف أكثر من سوق عربي أو إقليمي.
قصص النجاح تعزز الثقة في المنظومة
يرى العطار أن توسع عدد الشركات التي نجحت في النمو، أو حصلت على جولات استثمارية كبيرة، أو دخلت في صفقات استحواذ، لعب دوراً مهماً في رفع جاذبية السوق السعودية. فكل قصة نجاح جديدة تعطي إشارة إضافية للمؤسسين والمستثمرين بأن البيئة أصبحت أكثر قدرة على إنتاج شركات ذات قيمة عالية.
ويؤكد أن النجاح هنا لا يعود بالنفع على الشركة وحدها، بل ينعكس على المنظومة بالكامل. فالشركات الناجحة تجذب اهتماماً إعلامياً واستثمارياً، وتلهم مؤسسين جدد، وتدفع مزيداً من رؤوس الأموال إلى الدخول في السوق، ما يخلق دورة نمو متواصلة.
ومن هذا المنطلق، يعتبر العطار أن بناء منظومة قوية يحتاج إلى أمثلة ناجحة متكررة، لأن هذه الأمثلة هي التي تحول ريادة الأعمال من فكرة فردية إلى قطاع اقتصادي واضح المعالم.
آفاق المرحلة المقبلة
بحسب العطار، فإن مستقبل الاستثمار الجريء في السعودية يعتمد على استمرار تطوير بيئة الأعمال، وتوسيع مصادر التمويل، ودعم الشركات التقنية القادرة على إثبات نفسها في السوق. وإذا استمر هذا المسار، فإن المملكة مرشحة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي رئيسي لرأس المال الجريء خلال السنوات المقبلة.
كما يشير إلى أن استمرار المبادرات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والابتكار وريادة الأعمال سيبقي السوق في حالة جذب متنامية للمؤسسين والمستثمرين. وفي رأيه، فإن الميزة الأهم للسعودية اليوم ليست فقط في حجم السوق، بل في قدرتها على بناء منظومة متكاملة تربط بين التنظيم والتمويل والموهبة وفرص التوسع.
وبهذا المعنى، لا يبدو التحول الذي بدأ منذ 2019 مجرد موجة مؤقتة، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشركات الناشئة والاستثمار الجريء داخل المملكة.