تبدو شركات التقنية المدرجة في السعودية متشابهة عند النظر السريع إلى نتائجها الفصلية وإعلاناتها المتكررة عن العقود والمشاريع. لكن الفارق الحقيقي لا يظهر في حجم النشاط الظاهر فقط، بل في طريقة تحقيق الإيرادات، ومدى قدرتها على تحويل هذا النشاط إلى تدفقات نقدية منتظمة وأرباح قابلة للاستمرار.
وتكشف القراءة المتأنية لقطاع تقنية المعلومات في المملكة أن السوق لا يتحرك وفق نموذج واحد، بل يتوزع بين عدة مقاربات تشغيلية واستثمارية. هذه المقاربات تمنح كل شركة مساراً مختلفاً للنمو، كما تفسر تباين الأداء والربحية والقدرة على التوسع بين اللاعبين الرئيسيين.
سوق كبير لكن قواعد المنافسة تختلف
بلغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية نحو 199 مليار ريال خلال عام 2025، من بينها 115.4 مليار ريال لسوق تقنية المعلومات وحده، فيما وصلت مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه الأرقام تعكس اتساع الفرص، لكنها لا تعني أن جميع الشركات تعمل بالطريقة نفسها أو تحقق القيمة ذاتها.
ففي هذا السوق، تتقاطع أربعة اتجاهات رئيسية: شركات تركّز على تنفيذ المشاريع والخدمات المدارة، وأخرى تبني منصات رقمية، وثالثة تستثمر في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ورابعة تعمل على تشكيل منظومة أعمال مترابطة عبر حصص وشراكات واستحواذات. كل نموذج يملك منطقاً مختلفاً لإنتاج الإيراد، وإدارة المخاطر، وبناء الميزة التنافسية.
شركات التنفيذ والخدمات المدارة
يمثل هذا المسار النموذج التقليدي في القطاع، حيث تعتمد الشركات على تنفيذ مشاريع تقنية، وتشغيل الأنظمة، وإدارة البنية التحتية، وتقديم خدمات الحوسبة السحابية والأمن السيبراني. ومن أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه شركات مثل Solutions والعرض المتقن والمعمر.
غير أن السوق لم يعد يكافئ حجم العقود وحده. فالمعيار الأهم بات يتمثل في قدرة الشركة على تحويل المشروع إلى خدمة تشغيلية مستمرة، والانتقال من الإيراد المرتبط بعقد واحد إلى إيراد متكرر أكثر استقراراً. وكلما زادت كفاءة الشركة في التحصيل والتنفيذ وإدارة الهامش، أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات السوق.
وتظهر Solutions بوصفها مثالاً واضحاً على هذا المسار، إذ بلغت إيراداتها خلال 2025 نحو 12.73 مليار ريال، مع امتلاكها نحو 20.1% من سوق خدمات تقنية المعلومات في المملكة. وتشكّل الخدمات المدارة حوالي 34% من إيراداتها، مقابل 50% للخدمات الأساسية و16% للخدمات الرقمية.
ورغم هذه الأرقام الكبيرة، سجلت الشركة تدفقاً نقدياً تشغيلياً سالباً بنحو 101 مليون ريال. وتوضح هذه النتيجة أن قوة النمو الظاهر لا تكفي وحدها، وأن إدارة رأس المال العامل وتنظيم التحصيل والإنفاق التنفيذي تظل عناصر حاسمة في تقييم هذا النوع من الشركات.
شركات المنصات الرقمية
في المقابل، يعتمد نموذج المنصات الرقمية على بناء خدمات قابلة للتوسع المستمر، بدلاً من الاعتماد على مشروع ينتهي بانتهاء دورة التنفيذ. هذا النوع من الأعمال أكثر قدرة على النمو التراكمي، لأن كل عميل جديد أو خدمة إضافية يمكن أن تضيف قيمة للمجموعة بأكملها من دون الحاجة إلى إعادة بناء النموذج من الصفر.
وتبرز علم كأحد أهم الأمثلة على هذا الاتجاه. فالشركة لا تكتفي بالتنفيذ التقني، بل تطور منصات وخدمات احترافية يمكن أن تتوسع عبر قاعدة عملاء أوسع وقدرات تشغيلية أكبر. وخلال 2025، سجلت الشركة إيرادات بلغت 9.47 مليار ريال، مع صافي ربح وصل إلى 2.09 مليار ريال.
كما عززت الشركة هذا المسار عبر الاستحواذ على ثقة لخدمات الأعمال مقابل 3.4 مليار ريال. وتظهر أهمية هذه الخطوة في أنها لا تستهدف مجرد إضافة أصل مالي، بل توسيع منظومة المنتجات والعملاء والقدرات التشغيلية، بما يرفع قدرة الشركة على تعميق حضورها في السوق الرقمي السعودي.
الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كمسار استثماري
اختارت المعمر لأنظمة المعلومات مساراً مركباً يجمع بين الأعمال التقنية التقليدية والاستثمار المباشر في موجة الذكاء الاصطناعي العالمية. ويمثل هذا الخيار تحولاً لافتاً، لأنه لا يكتفي بالنمو من خلال المشاريع، بل يسعى إلى الاستفادة من إعادة تشكيل البنية التحتية الرقمية نفسها.
ووفق المعطيات المتاحة، خصصت الشركة محفظة استثمارية بقيمة 40 مليون ريال للاستثمار في شركات مثل OpenAI وAnthropic وxAI. وخلال 2025، حققت من هذه الاستثمارات أثراً إيجابياً إجمالياً يقارب 10.9 ملايين دولار من عمليات التخارج.
وفي موازاة ذلك، توسعت الشركة في تطوير مراكز البيانات عبر مشروع يستهدف رفع قدرات الصندوق السعودي لمراكز البيانات إلى 112 ميغاواط، مع بدء تطوير 72 ميغاواط باستثمارات تقارب 3 مليارات ريال. ويعكس هذا التوجه رهاناً واضحاً على الطلب المستقبلي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، وهو طلب مرشح للزيادة مع تسارع التحول الرقمي في المملكة.
لكن من المهم التمييز بين العائد الاستثماري والعائد التشغيلي. فالأول قد يحقق مكاسب ملحوظة في فترات محددة، بينما يظل الثاني أساساً أكثر استقراراً لتقييم قوة الشركة على المدى الطويل.
بناء منظومة أعمال مترابطة
أما عزم فتسلك مساراً مختلفاً يقوم على تجميع أصول وشركات ومنصات ضمن بنية واحدة متداخلة، بدلاً من التركيز على مشروع واحد أو على الاستثمار المالي البحت. هذا النموذج أقرب إلى بناء شبكة أعمال يمكن لكل جزء فيها أن يدعم الآخر.
وتضم استثمارات الشركة حصصاً في عدد من الكيانات والمنصات، من بينها المنصة الوطنية العقارية، وتعلم الآلة لتقنية المعلومات، وشركة التقنيات العقارية، إلى جانب منصة وصل العاملة في الوساطة الرقمية والتمويل المدمج. ويستند هذا التوجه إلى خلق تداخل بين الخدمات والأسواق والمنتجات، بحيث يتوسع أثر كل منصة داخل المنظومة الكلية.
الميزة هنا ليست في مصدر دخل واحد قوي فقط، بل في التكامل التشغيلي بين المكونات المختلفة. فإذا نجح هذا النموذج، فإنه يتيح للشركة تنويع مصادر الإيراد وتقليل الاعتماد على نشاط واحد، مع تعزيز فرص التوسع في أكثر من قطاع فرعي في الوقت نفسه.
ما الذي يصنع الميزة التنافسية فعلاً؟
توضح الصورة العامة أن الاعتمادات العالمية والشراكات التقنية وحدها لا تصنع تفوقاً دائماً. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه العناصر إلى عقود طويلة الأجل، أو إلى منتجات وخدمات يصعب على العميل الاستغناء عنها، أو إلى تدفقات نقدية متكررة تعزز الاستقرار المالي.
ومن هذا المنطلق، تبدو Solutions وعلم من بين الشركات الأقوى من حيث الحجم والقدرة على جذب المشاريع الكبرى، بينما تقدم المعمر نموذجاً يجمع بين البنية التحتية والاستثمار في موجة الذكاء الاصطناعي. أما عزم فتراهن على بناء منظومة أعمال متعددة الطبقات بدلاً من مسار واحد خطي.
وفي الخلفية، تظل الشركات الأصغر في البرمجيات والخدمات الرقمية مطالبة بإثبات أنها قادرة على تحويل الابتكار إلى أرباح مستدامة، لا إلى نمو إيرادات فقط. فالسوق في مرحلته الحالية أصبح أكثر تركيزاً على الكفاءة وربحية الوحدة الاقتصادية، وليس على التوسع العددي المجرد.
مستقبل المنافسة في القطاع التقني السعودي
من المرجح أن تحدد السنوات المقبلة الفارق بين الشركات التي تبني نماذج قابلة للتوسع وتلك التي تظل أسيرة التنفيذ التقليدي. فمع استمرار توسع الإنفاق على التقنية، وارتفاع الطلب على السحابة والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، ستزداد أهمية الشركات القادرة على إنتاج إيرادات متكررة وهوامش مستقرة.
وفي سوق بهذه الضخامة، لن يكون العامل الحاسم هو عدد العقود المعلنة فقط، بل مدى جودة ترجمتها إلى قيمة اقتصادية مستدامة. لذلك، فإن متابعة نموذج الأعمال أصبحت اليوم أكثر أهمية من متابعة العناوين التشغيلية اليومية، لأنها تكشف من يمتلك فرصة حقيقية للبقاء والنمو في بيئة تنافسية سريعة التغير.