حذرت يوجينيا كويدا، مؤسسة شركة Replika المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلية، من أن الوتيرة السريعة لتبني هذه التقنيات قد تتحول إلى مصدر توتر اجتماعي واسع إذا أسفرت عن فقدان أعداد كبيرة من الوظائف خلال فترة زمنية قصيرة.
وتأتي هذه المخاوف في لحظة يتسع فيها استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، سواء لتحسين الإنتاجية أو لخفض التكاليف أو لأتمتة مهام كانت في السابق تعتمد على العنصر البشري بشكل مباشر. وبينما ترى المؤسسات في هذه الأدوات فرصة لتعزيز الكفاءة، فإن النقاش حول أثرها في الوظائف يزداد حدة داخل قطاع التكنولوجيا وخارجه.
مخاطر تتجاوز الجانب التقني
تقول كويدا إن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها بقدر ما ترتبط بسرعة التغيير التي قد تفرضها على أسواق العمل. فالتقدم التقني، من وجهة نظرها، يصبح أكثر حساسية عندما يسبق قدرة الاقتصاد على امتصاص نتائجه، خصوصاً إذا جرى استبدال العمالة البشرية قبل توفير مسارات بديلة واضحة.
وترى أن خسارة الوظائف على نطاق واسع قد تؤدي إلى تشكك مجتمعي في قيمة الذكاء الاصطناعي، حتى لو حقق فوائد واضحة للشركات من حيث السرعة والدقة وخفض التكاليف التشغيلية. وفي هذه الحالة، لن يكون الاعتراض منصباً على الأداة نفسها، بل على الطريقة التي يُدار بها التحول.
الشركات تتسابق نحو الأتمتة
يتزامن هذا التحذير مع موجة استثمارات كبيرة في حلول الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى شركات التكنولوجيا إلى تطوير أنظمة قادرة على تنفيذ المزيد من المهام التي كان يقوم بها الموظفون في الإدارات المختلفة. ويشمل ذلك الأعمال المكتبية، وخدمات العملاء، وبعض مهام البرمجة، إضافة إلى مجالات أخرى بدأت تشهد إعادة تشكيل سريعة.
هذا التوسع يعكس رغبة الشركات في توظيف النماذج الذكية لرفع الكفاءة وتسريع الإنجاز، لكنه يثير أيضاً أسئلة متزايدة حول الوظائف التي ستكون أكثر عرضة للتأثر. ومع كل خطوة جديدة في الأتمتة، تتسع الفجوة بين مكاسب الشركات قصيرة الأجل وبين القلق المتنامي لدى العمال والباحثين عن الاستقرار الوظيفي.
الحاجة إلى انتقال مهني منظم
تشدد كويدا على أن التعامل مع هذا التحول يتطلب مرحلة انتقالية مدروسة، لا مجرد اندفاع سريع نحو الأتمتة. وتعتبر أن الاستثمار في إعادة التأهيل المهني وتطوير المهارات الجديدة يمثلان جزءاً أساسياً من أي استراتيجية ناجحة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.
وبحسب هذا المنظور، فإن نجاح الشركات في استخدام التقنيات المتقدمة لن يكون كافياً وحده لقياس الأثر الحقيقي. فالمعيار الأهم يتمثل في قدرة الاقتصادات على خلق وظائف جديدة أو إعادة تأهيل العاملين بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة، بدل تركهم أمام تحولات مفاجئة لا يملكون أدوات التكيف معها.
وتعكس هذه الرؤية اتجاهاً متنامياً داخل قطاع الشركات الناشئة والتكنولوجيا، يقوم على أن الابتكار يحتاج إلى سياسات مرافقة تضمن توزيعاً أكثر توازناً للمكاسب. فالتقنيات التي تُستخدم لرفع الإنتاجية قد تخلق أيضاً ضغوطاً اجتماعية ما لم تُصمم آليات واضحة لإدارة التغيير.
مستقبل الذكاء الاصطناعي مرتبط بثقة السوق
يفتح هذا الجدل باباً أوسع للنقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل. فمع ازدياد اعتماد الشركات على الأدوات الذكية، تتزايد الحاجة إلى مقاربة توازن بين الابتكار والاستقرار الاجتماعي، وتمنع تشكل رد فعل سلبي ضد التقنيات الجديدة.
وتشير هذه التطورات إلى أن النجاح في نشر الذكاء الاصطناعي لن يقاس فقط بعدد العمليات التي يمكن أتمتتها، بل أيضاً بمدى قبول المجتمعات لهذا التحول وقدرتها على الاستفادة منه من دون أن يتحول إلى تهديد مباشر لفرص العمل. وفي عالم الشركات الناشئة على وجه الخصوص، يبدو أن التحدي المقبل لن يكون تقنياً بحتاً، بل اجتماعياً واقتصادياً في الوقت نفسه.
ومع استمرار الشركات في توسيع استخدام النماذج الذكية، يظل السؤال الرئيسي مرتبطاً بكيفية تحويل هذا الزخم إلى قيمة مستدامة، من دون ترك أثر جانبي واسع على سوق العمل أو الثقة العامة في التكنولوجيا.