قال دويتشه بنك إن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات واضحة لرفع الإنتاجية داخل الشركات والاقتصادات، لكنه لن يترجم إلى أثر اقتصادي واسع بسرعة، كما أن التعويل عليه وحده لمعالجة أزمة الديون العالمية يبدو مبالغاً فيه في هذه المرحلة.
وجاءت هذه القراءة على لسان جيم ريد، رئيس الأبحاث الكلية والمستقبلية في معهد أبحاث دويتشه بنك، الذي أكد أن التقنية الجديدة ربما تكون الأبرز من حيث القدرة على تحسين الكفاءة مقارنة بتقنيات عديدة سبقتها، غير أن الاستفادة الفعلية منها تحتاج إلى وقت حتى تتغلغل في العمليات الداخلية للمؤسسات.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه أسواق المال موجة اهتمام لافتة بالذكاء الاصطناعي، مدفوعة بارتفاع أسهم شركات الرقائق والتطبيقات المرتبطة بهذه الموجة، إلى جانب توسع التقييمات الاستثمارية في قطاع التقنية. هذا الزخم دفع بعض المستثمرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت السوق تتجه إلى تضخم مبالغ فيه في الأسعار والتوقعات.
ورغم إقراره بوجود مخاطر مرتبطة بارتفاع التقييمات، أشار ريد إلى أن الابتكار كان دائماً جزءاً من الدورة الاقتصادية عبر التاريخ، وأن كل موجة تكنولوجية كبيرة تحمل معها تحولات واسعة في الإنتاج والعمل والأسعار. لكنه شدد في المقابل على أن الأثر الإيجابي لا يظهر عادة فوراً، بل يتطلب بنية تنظيمية وتشغيلية قادرة على استيعاب التغيير.
تحول الشركات هو الحلقة الأبطأ
يرى ريد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة النماذج والخوارزميات على أداء المهام، بل في مدى استعداد الشركات لإعادة تصميم عملياتها لتستفيد من هذه القدرات. فدمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة العمل، وتدريب الموظفين، وربطه بالبيانات الداخلية، كلها خطوات تحتاج إلى استثمارات ووقت وتغيير ثقافي داخل المؤسسة.
ولهذا السبب، فإن الحديث عن قفزة فورية في الإنتاجية قد يكون سابقاً لأوانه. فالشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى على حد سواء تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة استراتيجية، لكن قيمة هذه الأداة تعتمد على جودة التطبيق وليس على وفرة الضجيج المحيط بها.
الوظائف: قلق قصير الأجل وتوازن طويل الأجل
كما تناولت رؤية دويتشه بنك الأثر المحتمل على سوق العمل، حيث اعتبر ريد أن المخاوف من فقدان الوظائف لا تعكس الصورة الكاملة. ووفقاً لقراءته، فإن التجارب التاريخية مع التحولات التكنولوجية السابقة أظهرت أن الاقتصاد يميل في المدى الأوسع إلى خلق وظائف جديدة بالتوازي مع اختفاء وظائف قديمة.
واستشهد أيضاً باستمرار نمو التوظيف في قطاع البرمجيات، باعتباره مؤشراً على أن التحول الرقمي لا يقتصر على الاستبدال الآلي، بل يفتح أيضاً مساحات جديدة للمهارات التقنية والتحليلية والإدارية. ومع ذلك، يبقى انتقال الأفراد والشركات إلى هذه الوظائف الجديدة عملية غير متكافئة، وقد يواجه فيها بعض العاملين صعوبات انتقالية.
لماذا لا يبدو الذكاء الاصطناعي حلاً لأزمة الديون؟
في جانب آخر من حديثه، أوضح ريد أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في دعم النمو الاقتصادي ورفع الإنتاجية، لكنه ليس وصفة سحرية لإنهاء أزمة الديون العامة التي تتفاقم في عدد من الاقتصادات الكبرى. فالمشكلة، بحسب هذا المنظور، لا تتعلق بالإنتاجية وحدها، بل بعوامل متعددة تشمل أسعار الفائدة ومستويات الإنفاق وتكاليف خدمة الدين.
وحذر من أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل قد يزيد الضغوط على الاقتصادات المثقلة بالديون، حتى لو استمرت التوقعات الإيجابية بشأن الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن أي مكاسب تقنية محتملة قد تتأخر عن حل التحديات المالية الهيكلية، أو قد لا تكون كافية بمفردها لمعالجة جذورها.
بمعنى آخر، يحتاج المستثمرون وصناع القرار إلى التمييز بين أثر الذكاء الاصطناعي على المدى البعيد وبين التحديات المالية العاجلة التي تواجه الحكومات والشركات. فالأول قد يعيد تشكيل طريقة العمل والإنتاج، بينما الثانية تتطلب أدوات مالية ونقدية وإصلاحية أكثر مباشرة.
ما الذي يعنيه ذلك للشركات الناشئة؟
بالنسبة للشركات الناشئة، تحمل هذه القراءة أهمية خاصة. فالموجة الحالية من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي تخلق فرصاً كبيرة لبناء منتجات جديدة، لكن النجاح لن يتوقف على القدرة التقنية فقط، بل على إثبات قيمة اقتصادية واضحة وقابلة للقياس. الشركات التي تدمج الذكاء الاصطناعي في حلول عملية لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف ستكون الأقرب إلى تحقيق أثر مستدام.
وفي الوقت نفسه، يبرز عامل التوقيت باعتباره عنصراً حاسماً. فالسوق قد تكافئ المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها ستظل تطالبها بإثباتات ملموسة على الاستخدام الفعلي، ونماذج الإيرادات، وقدرتها على التوسع دون الاعتماد على التوقعات وحدها.
وعليه، فإن الرسالة الأساسية من هذه الرؤية ليست التشكيك في مستقبل الذكاء الاصطناعي، بل وضعه في إطاره الواقعي: تقنية قادرة على إعادة تشكيل الإنتاجية وسوق العمل، لكنها تحتاج إلى سنوات حتى تظهر آثارها الكاملة، كما أنها ليست كافية وحدها لمعالجة اختلالات مالية عالمية مثل أزمة الديون.