الشركات الناشئة 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

استطلاع Bain: استثمارات الذكاء الاصطناعي تتضخم بينما تتأخر العوائد في الشركات الكبرى

تكشف نتائج استطلاع جديد من Bain أن موجة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى لا تزال تتسع بسرعة، لكن العائد التجاري المباشر يتأخر عن اللحاق بها. وبينما تتدفق مليارات الدولارات إلى مراكز البيانات والرقائق والخدمات السحابية، تتزايد أسئلة مجالس الإدارة حول الجدوى الحقيقية لهذا السباق.

اختبار جديد لاندفاع السوق نحو الذكاء الاصطناعي

تظهر نتائج استطلاع حديث أن موجة الحماس المؤسسي تجاه الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. فالشركات الكبرى ما زالت تضخ مبالغ ضخمة في البنية التحتية والتقنيات المرتبطة بالنماذج الذكية، لكن الوعود بتحسين الأرباح وخفض التكاليف لا تتحقق بالسرعة التي كانت تتوقعها الإدارات التنفيذية.

وتعكس هذه النتيجة تحولاً مهماً في نظرة المستثمرين ومجالس الإدارة إلى الذكاء الاصطناعي. فبعد عامين من التوسع السريع في التجارب والتطبيقات، بدأ السؤال لا يدور حول الإمكانات التقنية فقط، بل حول القيمة المالية الفعلية التي يضيفها هذا الاستثمار إلى الأعمال اليومية.

في هذا السياق، يكشف التقرير عن فجوة متزايدة بين حجم الإنفاق وحجم العائد، وهي فجوة تضع كثيراً من الخطط التقنية تحت المراجعة، خصوصاً مع ارتفاع كلفة التشغيل والاعتماد المتزايد على الخدمات السحابية والرقائق المتقدمة.

اقتصاد مغلق بين كبار اللاعبين

أحد المفاهيم اللافتة التي يطرحها الاستطلاع هو ما يمكن وصفه بـ"الرهان الدائري"؛ أي أن الأموال تتحرك داخل منظومة محدودة من الشركات الكبرى نفسها. فشركات التقنية الكبرى تشتري العتاد والخدمات السحابية من شركات أخرى داخل الدائرة ذاتها، بهدف بناء وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يجعل النشاط المالي كبيراً ظاهرياً لكنه أقل اتساعاً على مستوى الاقتصاد الأوسع.

هذا النمط يخلق دورة استثمارية كثيفة، لكنه لا يضمن بالضرورة انتشار المنافع إلى خارج مجموعة الموردين والمشغلين الكبار. وبعبارة أخرى، قد يبدو السوق نشطاً من حيث الإنفاق، لكنه لا يترجم تلقائياً إلى نمو واسع في الإيرادات أو الأرباح داخل بقية القطاعات.

وتُعد هذه النقطة محورية بالنسبة للمستثمرين، لأن اتساع الإنفاق من دون اتساع مماثل في العائد قد يعني أن السوق يقترب من مرحلة إعادة تسعير للتوقعات، لا سيما إذا استمر التمويل بالمستويات نفسها من دون مؤشرات حاسمة على الجدوى.

العقبة الأكبر: التطبيق داخل بيئات العمل

لا تكمن المشكلة فقط في تكلفة شراء البنية التحتية أو بناء النماذج، بل في صعوبة إدماج الذكاء الاصطناعي داخل العمليات اليومية للشركات. فالمؤسسات التي تأمل في تحقيق توفير ملموس أو نمو سريع في الإنتاجية تواجه عادة تحديات مرتبطة بجودة البيانات، وتوافق الأنظمة القديمة، والحاجة إلى فرق تقنية متخصصة قادرة على تشغيل الأدوات الذكية وصيانتها.

وتشير المعطيات إلى أن كثيراً من الشركات لم تكن تملك أساساً رقمياً متماسكاً قبل بدء موجة الذكاء الاصطناعي، ما جعل تحديث قواعد البيانات وبناء البنية المناسبة أكثر كلفة من شراء الحلول الذكية نفسها. كما أن الاستخدام الواسع للأدوات المتقدمة يضيف أعباء متكررة على مستوى الحوسبة والطاقة، وهو ما يضغط على الميزانيات التشغيلية.

لهذا السبب، لم تعد بعض الإدارات ترى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لخفض النفقات فقط، بل بوصفه استثماراً يحتاج إلى سنوات من التهيئة قبل أن يبدأ في إنتاج مردود حقيقي. وفي غياب هذه التهيئة، قد تتحول التقنية إلى بند إنفاق إضافي أكثر من كونها محركاً للنمو.

ماذا يقول ذلك لمجالس الإدارة؟

مع تراجع موجة التفاؤل الأولى، أصبح العائد على الاستثمار هو السؤال الأكثر إلحاحاً في اجتماعات مجالس الإدارة. فالإدارات المالية باتت أكثر تشدداً في طلب أرقام واضحة تُثبت أن كل دولار ينفق على الذكاء الاصطناعي يحقق مقابلاً قابلاً للقياس، سواء في خفض التكاليف أو تسريع المبيعات أو تحسين الكفاءة التشغيلية.

ويأتي هذا التشدد في وقت تتزايد فيه الفواتير التقنية بشكل واضح. فبناء مراكز البيانات الحديثة، وتأمين المعالجات المتقدمة، ودفع تكاليف التشغيل السحابي، كلها بنود تضغط على الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي في آن واحد. ومع غياب نتائج سريعة، تصبح المقارنة بين التكلفة والمنفعة أكثر حساسية من أي وقت مضى.

كما أن الشركات باتت تدرك أن النجاح في الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بتبني الأداة، بل بقدرة المؤسسة على إعادة تصميم العمليات نفسها. وهذا التحول ليس سهلاً، لأنه يتطلب تغييراً في البنية التنظيمية، وفي مهارات العاملين، وفي طريقة اتخاذ القرار داخل الشركة.

دروس مهمة للشركات الناشئة والأسواق الصاعدة

تحمل هذه النتائج رسائل مباشرة إلى الشركات الناشئة، خصوصاً في الأسواق التي لا تسمح هوامش الربح فيها بإنفاق تجريبي طويل الأمد. ففي البيئات الناشئة، تكون تكلفة الخطأ أعلى بكثير، وأي استثمار غير محسوب في بنية تقنية باهظة قد يستهلك موارد الشركة قبل أن تصل إلى مرحلة الاستقرار.

الشركات الناشئة في قطاعات مثل الاتصالات والخدمات المالية والتجارة الرقمية قد تجد نفسها تحت ضغط لتبني الذكاء الاصطناعي بسرعة، أحياناً بدافع التنافس على جذب المستثمرين أو الظهور بمظهر مواكب للتكنولوجيا. لكن التقرير يشير بوضوح إلى أن التبني السريع لا يكفي، وأن قيمة الحل يجب أن تُقاس بوضوح من حيث العائد والتكلفة والاستدامة.

ولهذا، قد تكون الاستراتيجية الأكثر واقعية بالنسبة للشركات الناشئة هي التركيز على استخدامات محددة وذات أثر مباشر، مثل أتمتة خدمة العملاء، أو تحسين التنبؤ بالطلب، أو رفع كفاءة العمليات الداخلية. أما القفز إلى مشاريع كبرى ومعقدة من دون بنية بيانات ناضجة فقد يؤدي إلى استنزاف التمويل من دون نتائج ملموسة.

في الأسواق الناشئة، حيث يتسم التمويل عادة بالحذر وندرة رأس المال، يصبح الانضباط في اختيار حالات الاستخدام أكثر أهمية من الانبهار بالتقنية نفسها. فالمطلوب ليس امتلاك الذكاء الاصطناعي بوصفه شعاراً، بل توظيفه كأداة عملية تدعم نمو الشركة وتزيد من قدرتها على البقاء.

أرقام ترسم حدود المرحلة الحالية

  • يتوقع أن يتجاوز الإنفاق العالمي على بنية الذكاء الاصطناعي تريليون دولار خلال خمس سنوات.
  • نحو 90% من المطورين باتوا يدمجون الذكاء الاصطناعي في مشاريعهم، لكن نمو الأرباح لم يواكب هذا التسارع.
  • الاستثمارات تتركز في الخوادم ومراكز البيانات والمعالجات المتقدمة، ما يرفع كلفة الدخول إلى السوق.
  • النتائج الحالية تشير إلى أن التوفير الفعلي في كثير من الحالات أقل من التوقعات الأولية.

وتوضح هذه المؤشرات أن سوق الذكاء الاصطناعي لا يزال في طور التأسيس، لا في مرحلة النضج الكامل. فالتبني الواسع لا يعني بالضرورة تحقق الربحية، خصوصاً عندما تكون البنية اللازمة للتشغيل مكلفة ومعقدة، وعندما تحتاج الشركات إلى إعادة ترتيب عملياتها من الأساس.

مرحلة أكثر واقعية أمام المستثمرين

في المحصلة، لا يشكك التقرير في مستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه بقدر ما يضعه داخل إطار مالي أكثر صرامة. فالتقنية ما زالت مرشحة لتغيير قطاعات عديدة، لكن الطريق إلى ذلك يبدو أطول وأكثر تكلفة مما افترضته موجة التفاؤل الأولى.

بالنسبة إلى المستثمرين والشركات الناشئة على حد سواء، تصبح الرسالة الأساسية واضحة: يجب تقييم الذكاء الاصطناعي وفق أثره التجاري الفعلي لا وفق الزخم الإعلامي المحيط به. فالمنافسة القادمة لن تكون فقط في من يملك التقنية الأحدث، بل في من يستطيع تحويلها إلى قيمة قابلة للقياس داخل نموذج أعمال مستدام.