الذاكرة الرقمية ليست كما تبدو
يحب كثيرون التفكير في الإنترنت بوصفه مساحة تحفظ كل شيء إلى الأبد: الصور، الرسائل، المقاطع، والتفاصيل الصغيرة التي تصنع الذاكرة الشخصية. لكن هذا التصور يبدو أكثر هشاشة كلما اقتربنا من الواقع التقني الذي تستند إليه حياتنا اليومية. فالملفات التي نرفعها إلى السحابة لا تعيش خارج الزمن، بل تبقى مرتبطة بأجهزة وخوادم ووسائط تخزين قابلة للتعطل والتآكل والتبدل.
هذه الفكرة تقف في قلب معرض Not the Season ضمن برنامج Youth Takeover في مركز جميل للفنون في دبي، حيث تتعامل الأعمال المعروضة مع سؤال بسيط في صياغته، معقد في دلالاته: ماذا يحدث للذكريات عندما لا يعود هناك نظام موثوق لحفظها؟
المعرض لا يقدم إجابة تقنية مباشرة، بل يضع الزائر أمام تجربة حسية وفكرية تكشف أن الأرشفة الرقمية ليست عملية محايدة، وأن الاعتماد على التخزين السحابي لا يلغي خطر الفقدان، بل قد يخففه ظاهرياً فقط.
أعمال فنية من ملفات تالفة وأجهزة متقادمة
في أروقة المعرض تظهر صور وذكريات منقوصة على أقمشة ومواد تركيبية، وكأنها بقايا استُخرجت من أجهزة قديمة ثم تُركت لتواجه الزمن. هذا التشظي البصري ليس مجرد أسلوب فني، بل ترجمة مباشرة لفكرة أن البيانات نفسها يمكن أن تتآكل، وأن ما نعتبره محفوظاً قد يتحول تدريجياً إلى أثر باهت.
من بين الأعمال البارزة فيلم تجريبي للفنانة أميرة الحمودي يعرض ذاكرة شخصية لشاب مجهول على خامات قماشية، في معالجة تجعل الذاكرة أقرب إلى كيان مادي قابل للظهور والاختفاء. ويأتي هذا العمل ضمن قسم Presence in Absence الذي يشرف عليه التقني الإبداعي أحمد بلال.
في المقابل، تعرض سارة كمر منحوتات ثلاثية الأبعاد تبدو وكأنها مقتنيات من متحف مستقبلي، حيث تُمنح الأجهزة الإلكترونية القديمة تسميات ساخرة: جهاز ألعاب محمول يعاد تخيله كأداة للوعي، وقرص صلب يوصف كتوابيت للذاكرة، وفأرة حاسوب تظهر كأداة يدوية من زمن آخر. الفكرة هنا ليست الاحتفاء بالتكنولوجيا القديمة، بل إبراز كيف تفقد الأشياء معناها عندما تنفصل عن السياق الذي وُلدت فيه.
ذاكرة الإنسان والذاكرة التقنية
يربط المعرض بين الذاكرة البشرية والذاكرة الرقمية بوصفهما نظامين مختلفين لكنهما غير منفصلين. يشرح بلال أن استدعاء الذكريات لا يعيدها كما كانت، بل قد يغيرها مع كل محاولة استرجاع، بينما تعتمد الأنظمة الرقمية على وسائط مادية يُفترض أنها أكثر ثباتاً. غير أن هذه الثباتية ليست مطلقة: الأقراص الصلبة تتعطل، ووسائط SSD تتدهور مع الوقت، والمنصات السحابية قد تختفي أو تغلق خدماتها، كما أن صيغ الملفات نفسها قد تصبح غير قابلة للقراءة بعد سنوات.
من هنا، يصبح التخزين السحابي وعداً جزئياً لا يضمن الخلود الرقمي. فكل ملف محفوظ في السحابة يظل في النهاية مرتبطاً ببنية مادية من الخوادم والأسلاك والبنية التحتية للطاقة والصيانة. وإذا تعطلت هذه السلسلة، فإن الذاكرة التي بدا أنها آمنة قد تصبح عرضة للضياع مثل أي مادة أخرى.
هذا الفهم يبدد الفكرة الشائعة بأن البيانات تعيش خارج العالم المادي. على العكس، يذكّر المعرض بأن الذاكرة الرقمية مشروع صيانة دائم، لا أرشيفاً سلبياً يعمل من تلقاء نفسه.
من فقدان الهاتف إلى سؤال أوسع عن الأرشيف الشخصي
تعود جذور مشروع Presence in Absence إلى تجربة شخصية لدى بلال، حين فقد هاتفه المحمول لفترة وتزامن ذلك مع ضياع صور ثمينة لطفلته الرضيعة. هذه الحادثة الصغيرة شكّلت نقطة تحول في نظرته إلى التكنولوجيا، ليس بوصفها أداة للراحة فقط، بل بوصفها نظاماً قابلاً للفشل في اللحظة الأكثر حساسية.
من هذه التجربة ولد هاجس فني وفكري حول ما إذا كانت الذكريات الشخصية تستحق الحفظ، وكيف يمكن تحديد ما هو مهم داخل أرشيف الفرد. فالصورة التي تبدو عادية لشخص ما قد تكون، بالنسبة لآخر، الدليل الوحيد على علاقة أو مرحلة حياة أو لحظة لا تتكرر.
المعرض يعيد طرح هذا السؤال دون مبالغة: إذا كان المستقبل سيعتمد على أرشيفات رقمية لا تنجو من التبدل والتلف، فهل يجب البحث عن طرق بديلة للحفظ؟ وهل يكفي الاعتماد على شركات التكنولوجيا والمنصات السحابية لصيانة ذاكرة البشر؟
القلق من الفقدان يقابله قلق من المراقبة
لا يتوقف Not the Season عند موضوع ضياع البيانات، بل يوسع النقاش إلى طرف آخر من المعادلة: ماذا لو لم تختفِ البيانات أبداً؟ هذا السؤال تقوده تجربة Silent Observer للفنانة روان موهي، وهي تركيب فني يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للمراقبة المستمرة أكثر من كونه مجرد تقنية مساعدة.
في هذا العمل، تتحول المكتبة إلى مساحة حية تشبه كائناً يراقب ويجمع ويحلل. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يضع الزائر بين احتمالين مقلقين: الفقدان الكامل من جهة، والاستمرارية المفرطة من جهة أخرى. في الحالة الأولى تضيع الذكريات، وفي الثانية تصبح الذكريات نفسها مادة للمراقبة والسيطرة.
يرى القيمون على هذه الأعمال أن الذكاء الاصطناعي ليس مشكلة مستقبلية مؤجلة، بل تحدٍ حاضر يتعلق بكيفية إدراكنا لما نراه وبدرجة الثقة التي نمنحها للصور والبيانات والواجهات الرقمية. هذا التحول في المقاربة يجعل النقاش أقل ارتباطاً بالسيناريوهات الكارثية وأكثر التصاقاً بالأسئلة اليومية حول الحقيقة والخصوصية والاعتماد على النظام الرقمي.
ما الذي يبقى بعد انتهاء عمر الأجهزة؟
الرسالة الأعمق في المعرض أن التكنولوجيا لا تضمن البقاء، بل تؤجل الفقدان أحياناً فقط. فبعد سنوات، قد يتحول القرص الصلب إلى قطعة معدنية بلا وظيفة، وقد يصبح الهاتف الذكي أثراً من الماضي، وقد تضيع الملفات مع تغيير المنصات أو تلف البنية التحتية. عندها لا يبقى سوى الشيء المادي، بينما تنفصل عنه القصص والصور والمعاني التي كان يحملها.
هذا التصور يحمل بعداً مهماً للشركات الناشئة العاملة في مجالات التخزين الرقمي، والأرشفة، والوسائط السحابية، والذكاء الاصطناعي. فالنقاش لم يعد يتعلق بسعة التخزين فقط أو بسهولة الوصول، بل بموثوقية الحفظ على المدى الطويل، وبالقدرة على بناء أنظمة تقلل من هشاشة الذاكرة الفردية والجماعية.
وفي زمن تتسارع فيه دورة إغلاق التطبيقات وتحديث الأجهزة وتبدل الصيغ الرقمية، يبدو السؤال الذي يطرحه المعرض أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل نملك فعلاً ذكرياتنا الرقمية، أم أننا نودعها في أنظمة لا نتحكم في مصيرها بالكامل؟
المعرض، في جوهره، لا يدعو إلى التشاؤم بقدر ما يدعو إلى اليقظة. إنه يطلب من الزائر أن ينظر إلى ذاكرته الرقمية كشيء يحتاج إلى عناية مستمرة، لا كخزان أبدي خارج الزمن. ومن هنا تأتي قوة الفكرة: ما نحسبه ثابتاً قد يكون مؤقتاً للغاية، وما نظنه محفوظاً قد يكون على وشك الاختفاء.