الذكاء الاصطناعي والتقنية 23-Jun-2026 5 دقائق قراءة

دراسة: التنفيذيون أكثر اطمئناناً من فرق التشغيل بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل الشركات

دراسة جديدة لشركة Heimdal تكشف فجوة واضحة بين ثقة القيادات في السيطرة على مخاطر الذكاء الاصطناعي وبين تقييم الفرق التقنية العاملة عليه يومياً، مع اتساع الاستخدام وتباطؤ ضوابط الحماية.

فجوة واضحة بين القيادة والفرق التقنية

تكشف دراسة جديدة في مجال الأمن السيبراني أن الشركات لا تواجه فقط تحديات في تأمين أدوات الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في تقييم حجم الخطر نفسه. فبينما يرى عدد ملحوظ من التنفيذيين أن المخاطر تحت السيطرة، تبدو الصورة مختلفة تماماً لدى الموظفين المسؤولين عن تشغيل هذه الأدوات يومياً.

وبحسب النتائج، فإن الثقة ترتفع كلما ابتعدت المجموعة عن التنفيذ الفعلي. هذه الفجوة لا تعكس اختلافاً في الرأي فقط، بل تشير إلى مشكلة أعمق في فهم واقع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، وكيفية ضبطه ومراقبته.

الدراسة شملت ألف متخصص في تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأظهرت أن الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي تجاوز قدرة فرق الأمن والحوكمة على اللحاق به.

الاستخدام يتوسع أسرع من الضوابط

أحد أبرز الاستنتاجات في التقرير أن تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل سبق إنشاء الضوابط الأمنية المناسبة لها. ووفق النتائج، فإن معدل التبني يتقدم على مستوى الحماية بنحو الضعف تقريباً، ما يعني أن عدداً كبيراً من المؤسسات يستخدم هذه التقنيات قبل أن يضع لها أطر مراقبة واضحة.

ويظهر ذلك بوضوح في انتشار أدوات مثل ChatGPT وMicrosoft Copilot داخل بيئات تقنية واسعة. فهذه الأدوات لم تعد تجريبية أو محصورة في فرق محددة، بل أصبحت جزءاً من سير العمل اليومي في كثير من المؤسسات، وهو ما يرفع احتمالات تسرب البيانات أو سوء الاستخدام أو خلق ثغرات غير مرئية.

ورغم هذا الانتشار، لا تزال نسبة معتبرة من الفرق التقنية ترى أن بنيتها الأمنية ليست جاهزة بالكامل للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. هذا التقييم الحذر من فرق التشغيل يتناقض مع نظرة أكثر ارتياحاً لدى القيادات العليا.

الثقة الأعلى لدى التنفيذيين ليست بالضرورة الأصح

في الولايات المتحدة، قالت نسبة من كبار التنفيذيين إن مؤسساتهم تسيطر على مخاطر الذكاء الاصطناعي، بينما جاءت النسبة بين العاملين على التطبيق اليومي أقل بكثير. وظهر النمط نفسه في المملكة المتحدة، وإن كان الفارق أقل اتساعاً.

هذا التباين مهم لأنه يوضح أن الشعور بالسيطرة لا يعني بالضرورة وجود سيطرة فعلية. فالإدارة العليا قد تعتمد على التقارير والسياسات المكتوبة، بينما يرى المهندسون ومسؤولو الأمن الصورة الحقيقية من خلال الاحتكاك المباشر بالأدوات، وسلوك المستخدمين، ونقاط الضعف العملية.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن الفرق التي تملك رؤية أوضح لاستخدامات الذكاء الاصطناعي هي الأكثر قلقاً بشأنه، لا الأقل. هذه النتيجة تقلب الفرضية الشائعة التي ترى أن المعرفة تقلل المخاوف، بينما يبدو أن المعرفة هنا تكشف حجم التعقيد الحقيقي.

القلق يرتفع مع وضوح الرؤية

من النتائج اللافتة أن الفرق التي لديها رؤية كاملة لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة كانت أكثر ميلاً إلى اعتبار تسرب البيانات من أبرز المخاطر. أما الفرق الأقل رؤية، فكانت أقل قلقاً، وهو ما قد يعكس وجود نقاط عمياء تجعل الخطر يبدو أصغر مما هو عليه.

في المملكة المتحدة، ظهرت نسبة أعلى من مخاوف تسرب البيانات لدى الفرق التي تمتلك مراقبة كاملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو الاتجاه نفسه تقريباً في الولايات المتحدة. هذا يعني أن مجرد توسيع الاستخدام من دون شفافية داخلية قد يخلق شعوراً زائفاً بالأمان.

وتحذر الدراسة من أن المؤسسات التي تفتقر إلى جرد دقيق للأدوات المعتمدة وغير المعتمدة قد لا تدرك أصلاً أين تتحرك البيانات، أو من يملك صلاحية الوصول إليها، أو أي الأوامر تُرسل إلى أنظمة خارجية.

العبء التشغيلي يدفع بعض الفرق إلى التفاؤل

رصد التقرير مفارقة أخرى: الفرق الأكثر ازدحاماً بالمهام الروتينية هي أيضاً الأكثر توقعاً بأن يخفف الذكاء الاصطناعي العبء عنها. وهذه النتيجة مفهومة من زاوية الإنتاجية، لكنها قد تصبح خطرة إذا دفعت المؤسسات إلى تبني أدوات جديدة قبل بناء الحواجز اللازمة.

فكثير من العاملين في الأمن وتقنية المعلومات يقضون جزءاً كبيراً من أسبوعهم في أعمال متكررة منخفضة القيمة، ما يجعلهم يرحبون بأي أداة تعد بتقليل هذا الضغط. لكن التسرع في نشر الذكاء الاصطناعي قد يعني استبدال عبء تشغيلي بعبء أمني أكبر.

المشكلة لا تكمن في الأداة نفسها بقدر ما تكمن في طريقة إدخالها إلى المؤسسة، ومن يقرر استخدامها، وكيف تُراقب، وما هي البيانات المسموح لها بالوصول إليها.

ما الذي تنصح به الدراسة المؤسسات؟

تدعو الدراسة الشركات إلى التعامل مع خدمات الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءاً من البنية التقنية الأساسية، لا مجرد إضافات إنتاجية. وهذا يعني إخضاعها للمعايير نفسها التي تُطبَّق على أي مورد حساس آخر، بما في ذلك المراجعة قبل الشراء، وشروط التعامل مع البيانات داخل العقود، والجرد المستمر للأدوات المسموح بها وتلك التي تُستخدم من دون اعتماد.

كما تشدد على أهمية الضوابط التقنية التي تحد من الوصول غير المصرح به، وتراقب سلاسل الأوامر والتنفيذ، وتقلل من مخاطر توسع الصلاحيات داخل الأنظمة. وفي بيئات العمل الحديثة، قد لا يكفي وجود سياسة مكتوبة إذا لم تكن هناك رؤية تشغيلية حقيقية لما يجري فعلاً.

الرسالة الأساسية التي تخرج بها الدراسة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مشروع ابتكار، بل أصبح عنصراً بنيوياً في بيئة العمل الرقمية. وكلما زاد اعتماده، أصبحت الحاجة أكبر إلى حوكمة دقيقة، وتواصل أوضح بين القيادة والفرق الفنية، وفهم عملي للمخاطر بدل الاكتفاء بالثقة العامة.