04-Jul-2026 6 دقائق قراءة

OpenAI تراهن على خفض كلفة الاستدلال عبر شريحة Jalapeño المخصصة

تسعى OpenAI إلى تقليص العبء المالي الهائل لتشغيل نماذجها عبر تطوير شريحة Jalapeño المخصصة مع Broadcom، في خطوة تعكس تحولا من الاعتماد على العتاد العام إلى بناء بنية تحتية أكثر تكاملا وكفاءة لخدمة الاستدلال على نطاق واسع.

تتحرك OpenAI نحو إعادة تشكيل اقتصاديات الذكاء الاصطناعي من خلال شريحة مخصصة جديدة تحمل اسم Jalapeño، في محاولة واضحة لتخفيف الاعتماد على البنية الحاسوبية المكلفة التي تشكل اليوم أحد أكبر بنود الإنفاق في الشركة. وتأتي الخطوة في وقت أصبحت فيه تكلفة تشغيل النماذج اللغوية الكبيرة عاملا حاسما في تحديد هامش الربح، وسرعة النمو، وحتى قدرة الشركات على التوسع دون استنزاف ميزانياتها.

الفكرة الأساسية وراء هذا التوجه بسيطة من حيث المبدأ، لكنها معقدة في التنفيذ: كلما اقتربت OpenAI من تصميم العتاد الذي يناسب نماذجها مباشرة، قلّت الهدر في الطاقة والحوسبة، وتحسنت الكفاءة، وانخفضت تكلفة تقديم الخدمة للمستخدمين. ولهذا السبب لا تبدو Jalapeño مجرد شريحة جديدة، بل جزءا من استراتيجية أوسع لتحويل الشركة من مزود برمجيات يعتمد على أطراف خارجية إلى لاعب يتحكم في طبقات أكبر من سلسلة القيمة.

كلفة التشغيل أصبحت تحدد قواعد اللعبة

الإنفاق على الحوسبة يمثل اليوم أحد أعقد التحديات أمام OpenAI. فمع التوسع الهائل في استخدام ChatGPT وارتفاع عدد المستخدمين الأسبوعيين إلى نحو 900 مليون، قفزت الحاجة إلى البنية التحتية بشكل كبير. وتشير التقديرات إلى أن تشغيل الخوادم الخاصة بالخدمة كلف الشركة 8.4 مليارات دولار في العام الماضي، بينما قد يرتفع الرقم إلى نحو 14 مليار دولار هذا العام إذا استمرت وتيرة الاستخدام الحالية.

ولا يقف الضغط المالي عند هذا الحد. فالشركة التزمت على مدى السنوات الثماني المقبلة بنحو 1.4 تريليون دولار مخصصة للحوسبة، في رهان ضخم يتجاوز كثيرا الإيرادات الحالية البالغة نحو 25 مليار دولار سنويا. هذا التفاوت بين الالتزامات المستقبلية والإيرادات الحالية يوضح لماذا أصبح خفض كلفة البنية التحتية أولوية استراتيجية لا مجرد تحسين هندسي.

المقارنة مع الشركات التي تملك هوامش ربح أعلى توضح أيضا حجم التحدي. ففي حين تحقق Nvidia هوامش ربح مرتفعة للغاية على أجهزتها المتقدمة، تعمل OpenAI ضمن مساحة مالية أضيق بكثير، إذ تبقى لها نحو 33 سنتا فقط من الربح على كل دولار من الإيراد بعد احتساب المصروفات التشغيلية الضخمة. ومع هذا المستوى من الضغط، تصبح كل نقطة مئوية من التحسن في الكفاءة ذات أثر مباشر على الاستدامة المالية.

Jalapeño صممت للاستدلال لا للتعميم

اللافت في الشريحة الجديدة أنها لا تستهدف جميع أعباء الذكاء الاصطناعي، بل تركز على الاستدلال، أي المرحلة التي تُستخدم فيها النماذج لتوليد الإجابات وتشغيل التطبيقات الفعلية. هذا الاختيار مهم لأن الاستدلال هو ما يواجه المستخدم النهائي يوميا، وهو أيضا المجال الذي تتراكم فيه التكاليف مع كل استعلام وكل جلسة وكل خدمة تعتمد على النماذج الكبيرة.

في هذا السياق، عملت OpenAI على الشريحة باعتبارها نوعا من “معالج الذكاء” الداخلي المصمم ليتوافق مع أنماط عملها الخاصة. وقد تولت Broadcom الجانب الهندسي والتكامل مع شبكات الأداء العالي، بينما قدمت OpenAI الرؤية المعمارية الأساسية المستندة إلى خريطة نماذجها وخدماتها. أما التصنيع الفعلي فتتولاه TSMC في تايوان، مع إسناد بناء اللوحات وأنظمة الرفوف إلى Celestica.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن العينات المعملية الأولى بدأت بالفعل تشغيل أعباء عمل متقدمة، بما في ذلك نموذج غير معلن من عائلة GPT-5.3-Codex-Spark، وبالمواصفات المستهدفة من حيث التردد واستهلاك الطاقة. هذا يعني أن المشروع لم يعد مجرد تصور نظري، بل دخل مرحلة اختبار جادة تسبق الاستخدام الواسع.

ويؤكد مسؤولو البرنامج أن التصميم يركز على تقليل حركة البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة والشبكة، لأن اختناق البيانات أصبح أحد أكبر العوائق أمام رفع الأداء الحقيقي في خدمات النماذج التفاعلية. وبعبارة أخرى، لا تكفي القوة الحسابية وحدها إذا كانت البيانات تنتقل ببطء أو بكلفة مرتفعة بين أجزاء النظام.

من شركة نماذج إلى شركة بنية تحتية متكاملة

الانتقال إلى الشرائح المخصصة يعكس أيضا تحولا أعمق في هوية OpenAI. فالشركة لا تريد أن تظل طبقة برمجية تعتمد على منظومة عتاد جاهزة، بل تسعى إلى بناء نموذج متكامل يشمل تصميم الشريحة، والبرمجيات منخفضة المستوى، وإدارة الذاكرة، وجدولة الشبكات، وصولا إلى التطبيق النهائي. هذا التوسع في السيطرة يشبه إلى حد ما النموذج الذي اعتمدته شركات تدمج بين العتاد والبرمجيات لتحقيق أفضل استفادة من كل جزء في النظام.

الميزة الاقتصادية لهذا النهج تظهر بوضوح في ما يمكن تسميته حلقة التعزيز الذاتي: كلما تحسنت الكفاءة التشغيلية انخفضت كلفة التدريب والخدمة، وكلما انخفضت الكلفة أصبح بالإمكان تقديم منتجات أسرع وأكثر استجابة، وهو ما قد يرفع الاستخدام ويزيد الإيرادات، ثم يعاد استثمار جزء أكبر من تلك الإيرادات في الجيل التالي من البنية التحتية. هذه الدورة، إذا نجحت، قد تمنح الشركة مجالا أوسع للنمو دون أن تلتهم التكاليف معظم العائدات.

لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات. فكلما زادت درجة التخصيص، ارتفعت الحاجة إلى تنسيق أكثر تعقيدا بين فرق التصميم والهندسة والبرمجيات. كما أن أي خطأ في تقدير احتياجات النماذج المستقبلية قد يترك الشركة مع عتاد ممتاز تقنيا لكنه أقل ملاءمة من المتوقع عند الإطلاق الفعلي.

سباق متأخر أمام منافسين يملكون أفضلية زمنية

تدخل OpenAI هذا المجال في وقت سبقها إليه منافسون كبار منذ سنوات. فقد بدأت Google نشر وحدات TPU الخاصة بها في 2015، وتسيطر اليوم على حصة مهمة من قدرة الحوسبة العالمية خارج سلاسل توريد Nvidia. كما شحنت Amazon أكثر من مليون شريحة مخصصة، بينما تواصل Meta وMicrosoft توسيع بنيتهما الحاسوبية الخاصة.

هذا يعني أن OpenAI لا تبدأ من نقطة الصفر فقط تقنيا، بل تنافس أيضا في سباق زمني تأخر فيه كثيرون. لذلك حاولت الشركة اختصار دورة التطوير بقدر ممكن، حيث انتقلت Jalapeño من فكرة أولية إلى مرحلة tape-out، وهي المرحلة الأخيرة قبل الإنتاج المادي، خلال تسعة أشهر فقط. ويبدو أن جزءا من هذا التسريع تحقق عبر استخدام نماذج OpenAI نفسها في أتمتة وتحسين بعض مراحل تصميم العتاد.

هذا الجانب يمنح المشروع بعدا رمزيا أيضا. فالنماذج التي تستخدمها الشركة اليوم مع المستخدمين تُستغل في بناء البنية المادية التي ستشغل نماذج الغد. إنها حلقة تغذي نفسها بنفسها، وتختصر المسافة بين الذكاء البرمجي والقدرة الصناعية.

ماذا يعني ذلك لمستقبل الحوسبة في الذكاء الاصطناعي؟

إذا نجحت Jalapeño في تحقيق الأهداف المرجوة، فقد تصبح دليلا على أن الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي لن تكتفي بعد الآن بشراء العتاد من السوق، بل ستسعى إلى تصميمه وفقا لاحتياجاتها الخاصة. عندها لن يكون التنافس فقط حول جودة النماذج، بل أيضا حول من يمتلك البنية الأكثر كفاءة لتشغيلها على نطاق هائل.

كما أن هذا التحول قد يغير طريقة تقييم الشركات العاملة في المجال. فبدلا من النظر إليها كمقدمي خدمات تعتمد أرباحهم على الاشتراكات والإعلانات والتراخيص، قد يبدأ المستثمرون في تقييمها أيضا باعتبارها شركات بنية تحتية وحوسبة، حيث يصبح التحكم في تكلفة الاستدلال والتوسع في مراكز البيانات جزءا أساسيا من القيمة السوقية.

ومن المتوقع أن تبدأ عمليات إدخال الشريحة إلى مراكز البيانات بحلول نهاية 2026، مع استعدادات للتوسع بالتوازي مع شركاء البنية التحتية، بما في ذلك Microsoft، تمهيدا لنشر قادر على التعامل مع مراكز بيانات على مستوى ضخم جدا. وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السرعة في التطوير ستترجم بالفعل إلى وفورات تشغيلية ملموسة، أم أن السباق نحو السيليكون المخصص سيضيف تعقيدا جديدا إلى معادلة التكلفة بدلا من حلها.

في كل الأحوال، تبدو Jalapeño إشارة واضحة إلى أن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة: مرحلة لا يكفي فيها أن تمتلك أفضل نموذج، بل يجب أيضا أن تمتلك الطريقة الأرخص والأكثر كفاءة لتشغيله.