13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

مايكروسوفت تراهن على الفرق الهندسية في مبيعات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تقلص مايكروسوفت وظائف في أقسام المبيعات وXbox بالتوازي مع توسيع فرق الهندسة المدمجة داخل حسابات العملاء، في تحول يعكس أولوية الذكاء الاصطناعي في نموذجها التجاري للمؤسسات.

تتجه مايكروسوفت إلى إعادة صياغة طريقة بيع خدمات الذكاء الاصطناعي للشركات، عبر تقليص بعض الوظائف في الوقت الذي توسع فيه فرقاً هندسية تعمل مباشرة مع العملاء. هذه المقاربة تعكس قناعة متنامية داخل قطاع التقنية بأن نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يعتمد أكثر على التنفيذ الفني القريب من بيئة العميل، وأقل على فرق المبيعات التقليدية.

وتأتي هذه التحركات في لحظة حساسة للشركة، التي خفّضت هذا الأسبوع نحو 4800 وظيفة، أي ما يقارب 2.1% من إجمالي قوتها العاملة. وقد تركزت التخفيضات الأخيرة في أقسام المبيعات التجارية ووحدة Xbox، بعد موجتين أخريين خلال عام 2025 أثرتا في نحو 15000 موظف، أي ما يوازي حوالي 4% من الموظفين. وقبل أحدث جولة تسريح، كان عدد موظفي مايكروسوفت يتجاوز 220 ألفاً.

لكن تقليص الوظائف لا يبدو مجرد خفض للتكاليف بقدر ما هو جزء من إعادة تموضع أوسع. فالشركة أعلنت قبل أيام عن مبادرة جديدة تحمل اسم Frontier Company، وهي مبادرة تهدف إلى تقديم دعم مدمج للعملاء الذين ينفذون مشاريع ذكاء اصطناعي، على نحو يقترب من نموذج شركات تكامل الأنظمة التقليدية، لكن بقدرات هندسية داخلية من مايكروسوفت نفسها.

تحول في أولوية الخدمة

الرسالة الأساسية من هذه الخطوات أن مايكروسوفت تراهن على خبرتها الهندسية بوصفها ميزة تنافسية في سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي. فبدلاً من الاعتماد على إدارة الحسابات والمبيعات الموسعة كواجهة رئيسية مع العملاء، تريد الشركة أن تكون فرقها التقنية أقرب إلى بيئات العمل الفعلية، حيث تُبنى الحلول وتُختبر وتُعدّل.

هذا التحول مهم لعملاء المؤسسات لأنه يغيّر طبيعة العلاقة مع المورد التكنولوجي. ففي المشاريع المعقدة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، لم يعد المطلوب مجرد توقيع العقود أو توسيع التراخيص، بل وجود خبراء قادرين على التعامل مع البيانات والبنية التحتية والأمن والنشر الفعلي للنماذج. لذلك، فإن انتقال مايكروسوفت نحو فرق مدمجة قد يعني دعماً فنياً أعمق للحسابات الكبرى، مع تبسيط المسارات الأخرى التي ترتبط بالاستفسارات الاعتيادية والدعم الروتيني.

وترى الشركة أن السوق نفسه يتغير بسرعة، وأن العملاء يطلبون من مزودي التقنية مساعدتهم على الانتقال من التجارب المحدودة إلى التطبيقات العملية. وفي هذا السياق، يصبح وجود مهندسين داخل حسابات العملاء أداة لتقليل الفجوة بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والعائد الفعلي منه.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الهيكل الداخلي

وفقاً لما نقلته الشركة في مذكرة داخلية، فإن التخفيضات الأخيرة لا تعني استبدال الموظفين بالذكاء الاصطناعي، بل تعكس تحولا أوسع في طبيعة العمل نفسه. فبعض المهام اليومية باتت مؤتمتة بالفعل، ما يدفع الشركات إلى إعادة توزيع الموارد والمهارات وفقاً لأولويات جديدة.

وتؤكد مايكروسوفت أنها تحاول، كلما أمكن، نقل الموظفين إلى أدوار أخرى تتوافق مع المجالات الأكثر أهمية داخل الشركة. كما تشير إلى أنها ستواصل الاستثمار في تطوير المهارات، بما في ذلك المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت يتطلب فيه السوق من العاملين التكيف المستمر مع أدوات وأساليب عمل تتغير بسرعة.

هذا المنطق ينسجم مع اتجاه أوسع داخل شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث لم تعد فرق العمل تُقاس فقط بعدد الموظفين أو اتساع فرق البيع، بل بقدرة الشركة على تقديم نتائج ملموسة للعملاء في وقت أقصر. وبالنسبة لمايكروسوفت، فإن هذا يعني تركيزاً أكبر على التنفيذ، وعلى بناء نماذج خدمة تتناسب مع تعقيد مشاريع الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

ماذا يعني ذلك لعملاء الشركات؟

بالنسبة للعملاء، فإن التغيير قد يحمل آثاراً مزدوجة. فمن جهة، يمكن أن يحصل كبار العملاء الذين يملكون مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن والحوسبة السحابية على تواصل تقني أعمق وأكثر تخصصاً. ومن جهة أخرى، قد تصبح بعض العمليات الروتينية أبطأ أو أكثر اعتماداً على قنوات خدمة أقل اتساعاً، خصوصاً مع تقليص عدد ممثلي الحسابات.

ويرجح أن ينعكس هذا التحول أيضاً على العلاقة مع الشركاء. فالشركة تتجه أكثر نحو إحالة بعض الجوانب التنفيذية إلى شركاء ومزودين خارجيين، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحديث السحابة والأمن وخدمات Copilot والوكلاء والمشروعات المُدارة. وبهذا، تتحول منظومة الخدمة إلى نموذج أكثر اعتماداً على تكامل بين فرق مايكروسوفت وشركائها بدلاً من الاعتماد الكامل على فريق بيع تقليدي واسع.

ولأن هذه التغييرات قد تربك بعض المؤسسات، ينصح خبراء الصناعة الشركات بتوثيق كل ما يتعلق بحساباتها داخل مايكروسوفت، بما في ذلك جهات الاتصال الرئيسية، ومسارات التصعيد، وعلاقات الشركاء، والالتزامات المتعلقة بالتسعير وخطط التنفيذ والاعتماد على خارطة الطريق التقنية. وجود هذا التوثيق قد يساعد على تجنب الارتباك إذا تغيرت فرق الحسابات أو أُعيد توزيع المسؤوليات.

الرهان على التنفيذ بدل الوعود

ما تفعله مايكروسوفت لا يقتصر على خفض تكاليف التشغيل، بل يعكس أيضاً رهانا على أن السوق لم يعد يكافئ الوعود النظرية بقدر ما يكافئ القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نتائج قابلة للقياس. وفي هذا السياق، يصبح النجاح مرتبطاً بوجود مهندسين يفهمون البنية التحتية والبيانات والامتثال والأمن، وقادرين على العمل من داخل بيئة العميل نفسها.

هذا النهج يشبه إلى حد كبير ما تتجه إليه شركات سحابية كبرى أخرى، حيث تتزايد الاستثمارات في الشراكات والمنتجات الذكية بالتوازي مع عمليات خفض للوظائف في بعض الإدارات. والسبب أن هذه الشركات تريد حماية هوامشها المالية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في تمويل موجة الذكاء الاصطناعي التي تتطلب استثمارات ضخمة قبل أن تولد عائداً واضحاً.

في حالة مايكروسوفت، تبدو الرسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي بالنسبة للشركة لم يعد مجرد منتج ضمن محفظتها، بل محور لإعادة ترتيب القوى العاملة، وآلية لإعادة تعريف طريقة التعامل مع المؤسسات الكبرى. وبينما تتراجع أهمية بعض أدوار المبيعات التقليدية، تتقدم أهمية فرق الهندسة القادرة على تحويل المشاريع من مجرد أفكار إلى أنظمة تعمل فعلياً في بيئة العمل.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فمن المرجح أن تتغير أيضاً توقعات العملاء من مزودي التقنية. فبدلاً من البحث عن حسابات تجارية واسعة ووعود دعم عامة، سيبحثون أكثر عن خبرة هندسية مباشرة، وفهم عميق لتحديات التنفيذ، وقدرة على تقليص الفجوة بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والنتائج التشغيلية التي يأملونها.