أعلنت شركة Anthropic توسيع نطاق مساعدها الذكي Claude Cowork ليصبح متاحاً عبر الويب والهواتف المحمولة، في خطوة تعزز قدرته على العمل خارج سطح المكتب وتمنح المستخدمين مرونة أكبر في متابعة المهام وإدارتها من أي مكان. ويأتي هذا التحديث بالتزامن مع بيانات تشغيلية كشفت عنها الشركة بعد تحليل 1.2 مليون جلسة استخدام، أظهرت أن الأداة تُستخدم على نطاق واسع في الأعمال المكتبية والإنتاجية، وليس في كتابة الأكواد فقط.
وبحسب الشركة، فإن نسخة الويب والنسخة المحمولة لا تلغي دور التطبيق المكتبي، لكنها تضيف طبقة جديدة من الوصول والاستمرارية. الفكرة الأساسية هي أن يبدأ المستخدم مهمة على جهازه الأساسي، ثم يراقب التقدم من الهاتف أو يستكمل المخرجات لاحقاً من أي متصفح، حتى لو كان الحاسوب مغلقاً. هذه المقاربة تضع Claude Cowork في فئة المساعدات العملية التي تتعامل مع الأعمال الجانبية المرتبطة بالعمل اليومي، مثل تنظيم البيانات، وقراءة المراسلات، وتلخيص المحتوى، ومراجعة المستندات.
تجربة أكثر مرونة بين المكتب والهاتف والسحابة
التحول الأبرز في هذا التحديث هو انتقال Cowork إلى بيئة سحابية أوسع، ما يسمح بتنفيذ بعض المهام دون الحاجة إلى إبقاء الجهاز المحلي قيد التشغيل طوال الوقت. وتقول Anthropic إن المستخدم يمكنه إطلاق مهمة من المكتب، ثم متابعة الإشعارات على الهاتف عندما يحتاج النظام إلى موافقة أو توضيح، مع بقاء قرار الإرسال النهائي بيد المستخدم قبل تنفيذ بعض الإجراءات، خصوصاً عند التعامل مع مسودات الرسائل أو الخطوات الحساسة.
هذه الصيغة تجعل الأداة أقرب إلى مساعد متابعة دائم أكثر من كونها مجرد واجهة محادثة. فإذا كانت المهمة تعتمد على خدمات متصلة مثل البريد الإلكتروني أو المستندات أو النصوص النصية أو الجداول، يمكن لـ Cowork أن يواصل العمل في الخلفية، ويراجع البيانات أو يجهز مسودة أولية، بينما يتلقى المستخدم تنبيهات عند الحاجة إلى تدخل بشري. أما النسخة المكتبية، فتبقى الخيار الأكثر اكتمالاً لأنها تمنح الأداة وصولاً أكبر إلى الملفات المحلية والمتصفح، وبالتالي تناسب المهام المتقدمة أو ما تصفه الشركة بـ"العمل العميق".
Anthropic تصف المهمة بأنها «العمل حول العمل»
إلى جانب التوسعة التقنية، قدمت Anthropic إطاراً لغوياً جديداً لوصف وظيفة Cowork، من خلال عبارة تشير إلى "العمل حول العمل". والمقصود هنا هو الوقت الذي يستهلكه الموظف في تنفيذ مهام تنظيمية وإدارية لا تمثل صلب خبرته المهنية، لكنها ضرورية لإنجاز المهمة الأساسية. وتشمل هذه المهام البحث داخل رسائل البريد، وتجميع المعلومات من عدة ملفات، وترتيب الجداول، ومراجعة المواد قبل استخدامها في العمل الفعلي.
وتراهن الشركة على أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تخفيف العبء عن هذا النوع من الأعمال، بحيث يتيح للمتخصصين التركيز على القرارات والتحليل بدل الانشغال بالفرز اليدوي للمعلومات. ومن هذا المنطلق، لا تروّج Anthropic لـ Cowork كأداة مخصصة للمبرمجين فقط، بل كمساعد إنتاجية عام يمكنه التعامل مع مهام إدارية وتسويقية وتحريرية وتشغيلية في بيئات عمل مختلفة.
البيانات تكشف استخداماً أوسع من البرمجة
من أبرز ما أعلنته الشركة أن تحليل الجلسات يكشف صورة مختلفة عن الانطباع السائد حول منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة للأعمال التقنية. فبحسب Anthropic، فإن أكثر من 90% من الجلسات التي شملها التحليل لم تكن مرتبطة بكتابة البرمجيات أو تطوير التطبيقات. وهذا يعني أن الاستخدام الفعلي للمساعد يتجه بدرجة كبيرة نحو مهام الأعمال اليومية بدلاً من أن يظل محصوراً في فريق الهندسة.
الأكثر دلالة أن الأعمال المرتبطة بالعمليات التجارية وإنتاج المحتوى شكّلت نصف الاستخدام تقريباً. وجاءت فئة عمليات الأعمال وإدارة التشغيل في الصدارة بنسبة 33.4%، تلتها مهام إنشاء المحتوى وكتابة النصوص بنسبة 16.4%. وتشير هذه الأرقام إلى أن Cowork يجذب شرائح تعتمد على التنظيم والكتابة والتنسيق أكثر من اعتماده على الأكواد والخوارزميات.
وتقول الشركة إن هذه الأنماط تعكس طريقة استخدام واقعية للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، حيث يحتاج الموظفون إلى أداة تساعدهم في تحويل المعلومات الخام إلى مواد قابلة للتنفيذ. بمعنى آخر، لا يقتصر دور النموذج على توليد نص أو إجابة، بل يمتد إلى تجميع البيانات، وتصنيفها، وصياغتها، ثم ترك القرار النهائي للمستخدم البشري.
دعم متعدد الأجهزة وإشعارات فورية للمراجعة
إتاحة Cowork على نظامي Android وiOS تمنح المستخدمين قناة متابعة دائمة، خصوصاً في الحالات التي يتطلب فيها العمل موافقة فورية أو تأكيداً على خطوة معينة. وعندما يصل المساعد إلى نقطة تحتاج إلى قرار، يرسل تنبيهاً إلى الهاتف حتى لا تتعطل العملية، مع منع الإرسال النهائي لبعض المسودات قبل مراجعة المستخدم.
هذا التوازن بين الأتمتة والتحكم البشري مهم في أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم داخل المؤسسات. فبدلاً من أن تعمل الأداة بشكل مستقل تماماً، تعتمد Anthropic نموذجاً هجيناً يسمح لها بالاستمرار في المهام الروتينية مع إبقاء الخطوات الحاسمة تحت إشراف صاحب الحساب. وبذلك، يصبح الهاتف جزءاً من سير العمل نفسه، لا مجرد وسيلة لتلقي النتائج بعد الانتهاء.
ماذا يعني ذلك لسوق أدوات الذكاء الاصطناعي الإنتاجية؟
تكشف هذه الخطوة عن اتجاه أوسع في سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تتنافس الشركات على تحويل نماذجها من أدوات محادثة عامة إلى طبقات عمل متكاملة داخل المؤسسات. فكلما زادت قدرة المساعد على العمل عبر المتصفح والهاتف والسحابة، زادت فرص اعتماده في البيئات الاحترافية التي تتطلب متابعة مستمرة، وتبديل الأجهزة، والعمل عن بعد.
كما أن الأرقام التي أعلنتها Anthropic تمثل إشارة مهمة للمستثمرين والمنتجين على حد سواء: القيمة الحقيقية لهذه الأدوات قد لا تكون في البرمجة وحدها، بل في خدمة الأعمال المكتبية الواسعة التي تستهلك وقتاً كبيراً من الموظفين. من هنا، تبدو توسعة Claude Cowork محاولة واضحة لتثبيت حضوره كأداة إنتاجية متعددة الاستخدامات، قادرة على مساندة فرق العمل في إدارة المعلومات والاتصالات والمهام اليومية عبر أكثر من جهاز ومنصة.
وبينما يظل تطبيق سطح المكتب الخيار الأكثر اكتمالاً، فإن توفر الخدمة على الويب والهواتف والسحابة يجعل الوصول إليها أسهل، ويمنحها حضوراً أكبر في سيناريوهات العمل المتنقل. وهذا قد يكون الأهم في المرحلة الحالية: أن يصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً في اللحظة التي يحتاجه فيها المستخدم، لا عندما يكون أمام جهازه الرئيسي فقط.