الأعمال والاقتصاد الرقمي 14-Jun-2026 5 دقائق قراءة

ارتفاع حالات إفلاس الشركات والأفراد في ألمانيا مع استمرار الضغط على الاقتصاد

أظهرت بيانات رسمية في ألمانيا ارتفاع طلبات إفلاس الشركات والأفراد خلال الربع الأول من العام، مع تصاعد الضغوط على قطاعات النقل والضيافة والبناء، وتوقعات باستمرار الاتجاه الصعودي خلال 2025.

سجلت ألمانيا زيادة جديدة في طلبات إشهار الإفلاس خلال الربع الأول من العام، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط على الشركات والأفراد في أكبر اقتصاد أوروبي، وسط بيئة تشغيلية تتسم بارتفاع التكاليف وضعف النمو وتباطؤ النشاط في عدد من القطاعات الحيوية.

وأظهرت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الاتحادي في فيسبادن أن المحاكم المختصة تلقت 6275 طلباً لإشهار إفلاس شركات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، بارتفاع 6.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما شهد شهر مارس وحده تسارعاً أكبر، إذ ارتفعت حالات الإفلاس فيه بنسبة 15.8% على أساس سنوي.

ولا يقتصر الضغط على الشركات فقط، إذ تعاني الأسر أيضاً من أعباء مالية متزايدة. فقد بلغ عدد حالات إفلاس المستهلكين 7462 حالة في مارس، بزيادة تقترب من الخُمس مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما ارتفع إجمالي هذه الحالات في الربع الأول بنسبة 6%.

تراجع قيمة المطالبات رغم ارتفاع عدد الإفلاسات

ورغم زيادة عدد الإفلاسات، تراجعت المطالبات التي تقدم بها الدائنون في قضايا إفلاس الشركات إلى نحو 9.3 مليار يورو خلال الربع الأول، بعد أن كانت عند مستوى 19.9 مليار يورو في الفترة نفسها من العام الماضي. ويعكس هذا الانخفاض تغيراً في تركيبة الحالات المسجلة، إذ شهدت الأشهر الأولى من 2025 عدداً أكبر من طلبات الإفلاس المرتبطة بشركات كبيرة في العام السابق.

وتوضح هذه المفارقة أن ارتفاع عدد الحالات لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في قيمة الخسائر، لأن تأثير الإفلاس يختلف بحسب حجم الشركة وطبيعة التزاماتها المالية وهيكل الديون لديها.

النقل والضيافة والبناء في صدارة المتضررين

وبحساب عدد حالات الإفلاس لكل 10 آلاف شركة، بلغ المعدل في الربع الأول 17.7 حالة. وكانت القطاعات الأكثر تضرراً هي النقل والخدمات اللوجستية، والضيافة، والبناء، وهي قطاعات تتأثر عادة بسرعة بتغيرات الطلب، وارتفاع التكاليف التشغيلية، وضغوط السيولة.

وفي السياق نفسه، تشير هذه المؤشرات إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تواجه صعوبة متزايدة في امتصاص الصدمات المرتبطة بأسعار الطاقة والمواد الخام، فضلاً عن تأثيرات الاضطراب في سلاسل الإمداد وتراجع بعض الأسواق الخارجية.

تأثيرات متأخرة في البيانات الرسمية

لفت مكتب الإحصاء إلى أن أرقام الإفلاس لا تُدرج في الإحصاءات إلا بعد صدور القرار الأول من محكمة الإفلاس، ما يعني أن الطلب الفعلي يكون قد قُدم قبل ذلك بمدة قد تصل في كثير من الأحيان إلى نحو ثلاثة أشهر. ويعني هذا أن الصورة الإحصائية تعكس الوضع بتأخير زمني نسبي، وليس في لحظة حدوث التعثر نفسها.

هذا التأخير يجعل قراءة الاتجاهات أكثر أهمية من التركيز على رقم شهر واحد، إذ إن الارتفاع المتواصل عبر عدة أشهر يوفر دلالة أوضح على قوة الضغوط المالية وعلى احتمالات استمرارها خلال بقية العام.

توقعات بموجة إضافية من التعثر وإعادة الهيكلة

وتتوقع جهات متخصصة، من بينها وكالة التصنيف الائتماني كريديت ريفورم، أن يواصل عدد حالات الإفلاس في ألمانيا الصعود خلال العام الجاري. كما أظهرت دراسة أجرتها شركة إي واي بارثينون أن البنوك المتخصصة في تمويل وإدارة حالات الأزمات تتوقع توسعاً في عمليات إعادة الهيكلة مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، وتواصل التوترات الجيوسياسية، وبقاء النشاط الاقتصادي دون مستويات قوية.

وتشير الدراسة إلى أن قطاعي صناعة السيارات والهندسة الميكانيكية قد يكونان الأكثر حاجة إلى خطط إعادة هيكلة، بينما يتراجع الضغط النسبي على قطاع العقارات. ويعكس ذلك انتقال الضغوط من القطاعات المرتبطة بالتمويل والعقار إلى قطاعات إنتاجية وصناعية تواجه منافسة عالمية وتكاليف تشغيل مرتفعة.

اقتصاد يعتمد على التصدير ويواجه تباطؤاً عالمياً

وتتأثر ألمانيا، بوصفها اقتصاداً شديد الارتباط بالصادرات، بدرجة أكبر من غيرها بتباطؤ الاقتصاد العالمي وبالاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر في الطلب وسلاسل التوريد وثقة المستثمرين. ومع استمرار الضغوط على الشركات والمستهلكين معاً، تبدو مؤشرات الإفلاس واحدة من أكثر الأدوات وضوحاً لقياس هشاشة البيئة الاقتصادية في المرحلة الحالية.

وتوضح البيانات الأخيرة أن التحدي لا يقتصر على شركات تمر بظروف عابرة، بل يشمل بنية أوسع تتأثر بتكاليف الإنتاج والتمويل وضعف الطلب المحلي والخارجي. وفي حال استمرت هذه العوامل دون تحسن ملحوظ، فقد يدخل الاقتصاد الألماني مرحلة أطول من إعادة التكيف وإعادة الهيكلة، خاصة في القطاعات الأكثر حساسية للدورة الاقتصادية.