تواجه أسواق السكر العالمية احتمال دخول مرحلة جديدة من الضغوط السعرية، مع تزايد المخاوف من تراجع المعروض القادم من الهند، أحد أكبر المنتجين والمصدرين في العالم، في وقت تلوح فيه ظاهرة النينيو بتأثيرات مناخية قد تزيد من صعوبة الإمدادات الزراعية.
وتستند هذه المخاوف إلى تقديرات تشير إلى أن انخفاض إنتاج السكر في الهند بما يتراوح بين 3 و8 ملايين طن سنويا قد يدفع نيودلهي إلى وقف برنامج التصدير بشكل كامل. وفي حال تزامن ذلك مع عجز البرازيل عن زيادة الإمدادات بسرعة، بسبب محدودية قدرات المعالجة، فإن السوق قد تواجه قفزة حادة في الأسعار العالمية.
الهند في قلب معادلة السوق
تحتل الهند موقعا محوريا في تجارة السكر الدولية، إذ يعد قصب السكر ثاني أهم محصول استراتيجي فيها بعد الأرز. كما أن البلاد تشارك البرازيل الصدارة على مستوى الإنتاج والتصدير، ما يجعل أي تغير في سياساتها أو في حجم محصولها ذا أثر مباشر على السوق العالمية.
وبحسب التقديرات المتداولة، فإن أي انخفاض ملحوظ في الإنتاج الهندي لا يعني فقط تراجع الشحنات المتاحة للتصدير، بل قد يفرض أيضا أولوية لتغطية الطلب المحلي، وهو ما يحد من الكميات التي تصل إلى الأسواق الخارجية.
النينيو يضغط على المناطق الزراعية
تتزامن هذه التوقعات مع مؤشرات على اقتراب ظاهرة النينيو من مناطق زراعة قصب السكر الرئيسية في الهند، ولا سيما ولايات ماهاراشترا وكارناتاكا وتاميل نادو. وتعاني هذه المناطق بالفعل من نقص في الموارد المائية، ما يرفع احتمالات تأثر المحاصيل سلبا إذا اشتدت الظروف المناخية غير المستقرة.
وفي أسواق العقود الآجلة، انعكست هذه المخاوف بسرعة على الأسعار، إذ تجاوزت العقود الآجلة للسكر الأبيض في بورصة لندن مستوى 660 دولارا للطن مع بداية يونيو، مدفوعة بتزايد الحديث عن تراجع الإمدادات المرتبط بالعوامل المناخية.
احتمال إغلاق التصدير يغيّر توقعات الأسعار
تظهر التقديرات أن الهند أبقت على تعليق صادرات السكر حتى 30 سبتمبر، لكن السيناريو الأكثر تشددا يتمثل في اتخاذ قرار بوقف التصدير بشكل كامل. وفي هذه الحالة، قد تقفز الأسعار العالمية إلى نطاق يتراوح بين 750 و800 دولار للطن، وفقا للتقديرات المشار إليها.
هذا الارتفاع المحتمل لا يقتصر أثره على أسواق السلع الأساسية فحسب، بل يمتد إلى الصناعات الغذائية التي تعتمد على السكر بوصفه مادة خام رئيسية في عدد كبير من المنتجات، من المشروبات إلى الحلويات والمخبوزات.
انعكاسات مباشرة على المستهلكين
يرجح خبراء أن يؤدي صعود أسعار السكر إلى زيادة تكلفة السلة الغذائية في العديد من الدول المستوردة بنسبة تتراوح بين 10 و15%. وتزداد حساسية هذه التأثيرات في دول إفريقيا وجنوب آسيا، حيث يشكل الغذاء المستورد جزءا أساسيا من الاستهلاك اليومي.
وفي هذه الأسواق، يمكن لأي ارتفاع جديد في سعر سلعة أساسية مثل السكر أن ينتقل بسرعة إلى سلع أخرى مرتبطة بها، ما يضيف ضغوطا على ميزانيات الأسر ويؤثر في أسعار التجزئة لدى التجار والمصنعين.
وتتسع المخاوف أيضا من أن تشهد المتاجر في بعض المناطق تراجعا في توافر السلع إذا جاءت آثار النينيو أشد من المتوقع، وهو ما قد يفاقم اضطرابات الإمداد في سلاسل الغذاء العالمية.
السوق الروسية أقل تعرضا للصدمات
في المقابل، تبدو السوق الروسية للسكر في وضع أكثر استقرارا بفضل الاعتماد الكامل على الإنتاج المحلي. فقد أعلنت وزارة الزراعة الروسية أن محصول بنجر السكر في عام 2025 بلغ 48.9 مليون طن، بزيادة 8.5% مقارنة بعام 2024.
وأوضحت الوزارة أن هذه الكميات كافية لتلبية الطلب المحلي، مع وجود إمكانات تصديرية أيضا، ما يعني أن روسيا أقل عرضة للتقلبات الدولية المرتبطة بانخفاض المعروض العالمي أو ارتفاع الأسعار في البورصات الخارجية.
توقعات مفتوحة على مزيد من التقلب
رغم أن الأسواق لا تزال تترقب القرارات النهائية من الهند، فإن الرسالة الأبرز حتى الآن هي أن السكر يعود مجددا إلى دائرة السلع الحساسة التي تتأثر بسرعة بالمناخ والسياسات التجارية في آن واحد. ومع اجتماع عاملين مثل النينيو ومحدودية الطاقة الإنتاجية في بعض الدول الكبرى، يبقى احتمال استمرار التذبذب في الأسعار قائما خلال الأشهر المقبلة.
وبالنسبة للمستوردين، فإن المسألة لا تتعلق فقط بسعر الطن في بورصات السلع، بل أيضا بكلفة الاستيراد، وهوامش التوزيع، وأسعار المنتجات النهائية على رفوف المتاجر. وفي مثل هذه الظروف، يصبح أمن الإمدادات ومرونة سلاسل التوريد عاملين حاسمين في الحد من أثر أي موجة صعود جديدة.