قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين دخلت مرحلة أكثر حساسية، بعدما وصل العجز التجاري إلى مستوى غير مسبوق. وأوضحت أن واردات السلع الصينية إلى السوق الأوروبية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما زاد الضغوط على صناع القرار في بروكسل لإعادة تقييم أدواتهم التجارية.
وجاءت تصريحات فون دير لاين خلال مؤتمر صحفي عقد عقب قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، حيث ربطت بين تصاعد الواردات الصينية وتنامي المخاوف الأوروبية من الاعتماد المفرط على مورد واحد. ووفق ما عرضته، فإن حجم الواردات من الصين إلى الاتحاد الأوروبي ارتفع بنحو 45% خلال خمس سنوات، في مؤشر يعكس توسع حضور المنتجات الصينية في الأسواق الأوروبية.
وأضافت أن العجز التجاري مع بكين بلغ العام الماضي ما يعادل نحو مليار يورو يوميا، وهو مستوى وصفته بأنه يثير أسئلة جدية حول توازن التبادل التجاري وقدرة الشركات الأوروبية على المنافسة في مواجهة السلع منخفضة التكلفة القادمة من الصين. ويعكس هذا الرقم حجم الفجوة بين تدفق الصادرات والواردات في أحد أهم ملفات السياسة الاقتصادية الأوروبية.
حزمة تجارية جديدة قيد الإعداد
أشارت فون دير لاين إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي كلفوا المفوضية بإعداد مجموعة من الإجراءات التجارية التي تستهدف تقليص ما وصفته بـمخاطر التبعية الخطرة. ويعني ذلك أن بروكسل تتجه إلى أدوات أكثر صرامة من أجل حماية الصناعات المحلية وضمان ما تعتبره منافسة أكثر تكافؤا في السوق الموحدة.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها، فإن الحزمة المرتقبة قد تتضمن رسوما جمركية إضافية، إلى جانب إجراءات مكافحة الإغراق. وتستخدم هذه الأدوات عادة عندما ترى السلطات التنظيمية أن منتجات مستوردة تباع بأسعار متدنية بصورة غير عادلة، بما قد يضر بالمنتجين المحليين أو يشوه شروط المنافسة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من مراجعة الاتحاد الأوروبي لسياساته التجارية مع الصين، وسط نقاش متزايد داخل التكتل حول كيفية الموازنة بين الحاجة إلى التجارة المفتوحة وحماية القطاعات الحساسة من اضطرابات السوق. كما تسعى بروكسل إلى تقليل تعرضها لمخاطر سلاسل الإمداد التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج الصيني.
أبعاد اقتصادية تتجاوز الميزان التجاري
لا يقتصر الجدل الأوروبي على أرقام العجز التجاري وحدها، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة الاقتصادية مع الصين ودور الواردات في قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والمعدات الصناعية والمنتجات الاستهلاكية. ومع اتساع الفجوة التجارية، تتزايد المخاوف من أن يتحول الاعتماد المتبادل إلى تبعية تؤثر في القدرة التفاوضية الأوروبية على المدى الطويل.
وتنظر العديد من الحكومات الأوروبية إلى القضية من زاويتين متوازيتين: الأولى تتعلق بحماية الوظائف والإنتاج داخل الاتحاد، والثانية تتصل بالحفاظ على انفتاح الأسواق وتجنب الدخول في مواجهة تجارية واسعة قد ترفع التكاليف على الشركات والمستهلكين. لذلك، تبدو أي إجراءات مقبلة محكومة بموازنة دقيقة بين الردع التجاري وعدم الإضرار بالنشاط الاقتصادي الداخلي.
كما تكتسب المسألة بعدا رقميا واضحا في اقتصاد اليوم، إذ تعتمد قطاعات أوروبية عديدة على مكونات ومواد وسيطة قادمة من الصين ضمن شبكات إنتاج عابرة للحدود. وهذا يجعل أي تعديل في الرسوم أو القيود التجارية ذا تأثير مباشر على التكلفة والوقت والتوريد، وليس فقط على حجم التجارة الإجمالي.
بروكسل تبحث عن إعادة التوازن
تسعى المفوضية الأوروبية، بحسب ما أعلنته فون دير لاين، إلى إعادة التوازن للعلاقة التجارية مع بكين بدل قطعها. وتفترض هذه المقاربة أن الهدف ليس تقليص التجارة بحد ذاتها، بل ضبط شروطها بما يحد من الخلل المتراكم ويمنح الشركات الأوروبية فرصة أفضل للمنافسة.
وفي هذا السياق، من المتوقع أن تستمر المناقشات داخل مؤسسات الاتحاد حول نوعية الأدوات الأنسب: هل تكون الرسوم الجمركية الأداة الرئيسية، أم أن الأولوية ستكون لتحقيق حماية أكثر دقة عبر آليات مكافحة الإغراق والفحص التنظيمي والاستثمار في التصنيع المحلي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة في السياسة التجارية الأوروبية.
كما أن التطورات الأخيرة قد تدفع إلى مزيد من التدقيق في الواردات ذات الحساسية العالية، خاصة تلك المرتبطة بالتحول الصناعي والرقمي في أوروبا. فكلما اتسعت الفجوة التجارية مع الصين، زادت الحاجة إلى سياسات تدعم الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على سوق خارجية واحدة.
انعكاسات محتملة على السوق الأوروبية
إذا مضت بروكسل في فرض رسوم إضافية أو تطبيق إجراءات مكافحة الإغراق، فقد تنعكس هذه الخطوات على أسعار بعض السلع وعلى هوامش ربح المستوردين والموزعين. وفي المقابل، يمكن أن توفر هذه السياسة متنفسا للصناعات الأوروبية التي تواجه منافسة حادة من منتجات أرخص تأتي من السوق الصينية.
لكن هذه المعادلة ليست بسيطة، لأن أي تصعيد تجاري قد يؤدي أيضا إلى ردود فعل مقابلة، أو إلى إعادة ترتيب سلاسل التوريد العالمية بما يفرض تكاليف انتقالية على الشركات. ولهذا تتعامل المؤسسات الأوروبية مع الملف بوصفه قضية اقتصادية واستراتيجية في آن واحد، تتجاوز مجرد أرقام التجارة الثنائية.
وبينما تواصل الصين لعب دور محوري في التجارة العالمية، تبدو أوروبا أمام اختبار صعب يتعلق بإدارة الانفتاح الاقتصادي من دون التضحية بقدرتها الإنتاجية أو بتوازنها التجاري. ومن المرجح أن تشكل الإجراءات التي تجهزها المفوضية الأوروبية ملامح المرحلة المقبلة في العلاقة الاقتصادية بين الجانبين.