قفزة مالية تعكس اتساع دور الصندوق
أظهر صندوق الاستثمارات العامة السعودي أداءً قوياً خلال عام 2025، بعدما سجل نمواً حاداً في ربحه التشغيلي وصافي أرباحه، بالتوازي مع ارتفاع أصوله الإجمالية إلى نحو 1.21 تريليون دولار، ما يعزز موقعه بوصفه أحد أكبر المستثمرين السياديين تأثيراً في المنطقة والعالم.
وبحسب القوائم المالية الموحدة والمراجعة، فإن الصندوق حقق صافي ربح سنوي بلغ 17.36 مليار دولار، بزيادة كبيرة على أساس سنوي، بينما ارتفع الربح التشغيلي إلى 20.8 مليار دولار مقارنة بمستويات أقل بكثير في العام السابق. وتكشف هذه النتائج عن تحسن واضح في الكفاءة التشغيلية وتنوع مصادر العائد.
كما واصل الصندوق الحفاظ على مستوى مرتفع من السيولة النقدية وما في حكمها، بما يتجاوز 93 مليار دولار، وهو ما يمنحه مرونة كبيرة في تمويل الاستثمارات الحالية واغتنام الفرص الجديدة في الأسواق المحلية والعالمية.
تحسن الربحية جاء مع ضبط الإنفاق
يرتبط جزء مهم من هذا الأداء بتحسن إدارة التكاليف داخل المؤسسة الاستثمارية. فقد تراجعت المصروفات الإدارية خلال العام، في وقت ساهمت فيه أرباح الشركات الزميلة في دعم النتائج النهائية. ويشير ذلك إلى أن الصندوق لم يعتمد فقط على نمو المحفظة، بل استفاد أيضاً من رفع الانضباط المالي وتحسين تشغيل الأصول القائمة.
وسجلت الإيرادات الإجمالية نمواً ملحوظاً، ما يعكس اتساع النشاط الاستثماري واتساع أثر الشركات والمشاريع التابعة له. ومع هذا الارتفاع، أصبحت القوائم المالية أكثر تعبيراً عن مرحلة نضج استثماري تتجاوز مجرد التوسع الكمي إلى بناء قيمة طويلة الأجل.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الصندوق بات يدير محفظة أكثر تعقيداً وتنوعاً، تجمع بين الأصول المحلية والمشاريع الاستراتيجية والاستثمارات الخارجية، في إطار نموذج يجمع بين العائد المالي والأثر الاقتصادي.
الأصول تتجاوز تريليون دولار وتقترب من المستهدفات الكبرى
واصلت أصول صندوق الاستثمارات العامة الصعود خلال السنوات الأخيرة بوتيرة سريعة؛ إذ ارتفعت من نحو 720 مليار ريال في 2017 إلى 4.54 تريليون ريال بنهاية 2025، وهو ما يعادل 1.21 تريليون دولار تقريباً. هذا التحول يعكس اتساع دور الصندوق في تمويل التحول الاقتصادي السعودي ودعم القطاعات الجديدة ذات الأولوية.
ويعمل الصندوق ضمن مسار استراتيجي يهدف إلى الوصول إلى 10 تريليونات ريال بحلول 2030، وفق مستهدفات رؤية المملكة. ويعني ذلك أن وتيرة النمو الحالية لا تُقاس فقط بالنتائج السنوية، بل بمدى اقتراب المؤسسة من التحول إلى منصة استثمارية عالمية ذات وزن نظامي في الاقتصاد المحلي والدولي.
كما أعلن الصندوق في بداية العام عن استراتيجية للفترة 2026 - 2030، تقوم على الانتقال من مرحلة بناء القطاعات إلى مرحلة تعظيم القيمة المستدامة ورفع الكفاءة، مع تحويل مجموعة من القطاعات السابقة إلى منظومات اقتصادية أكثر تكاملاً.
الذكاء الاصطناعي والمشاريع السيادية في قلب التوسع
من أبرز محركات النمو خلال 2025 تركيز الصندوق على قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. فقد أطلق شركة «هيوماين» لتغطي سلسلة القيمة الكاملة في هذا المجال، من البنية التحتية ومراكز البيانات إلى القدرات السحابية والنماذج والتطبيقات المتقدمة.
كما دخل الصندوق في ترتيبات جديدة مع أرامكو السعودية، تقضي باستحواذ الشركة على حصة أقلية مؤثرة في «هيوماين»، بينما يحتفظ الصندوق بالحصة الأكبر. ويعكس ذلك توجهاً لدمج القدرات الوطنية في مشاريع تقنية ذات نطاق واسع، بما يرفع فرص بناء منظومة ذكاء اصطناعي محلية أكثر تنافسية.
وفي قطاع التنقل الكهربائي، سجلت شركة «لوسيد» المملوكة بغالبيتها للصندوق ارتفاعاً في عمليات التسليم بنسبة 55 في المائة إلى 15841 مركبة خلال 2025، في إشارة إلى استمرار الرهان على الصناعات المستقبلية المرتبطة بالطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة.
التنمية المحلية والسياحة ضمن أولويات الاستثمار
لم يقتصر النشاط الاستثماري على التكنولوجيا، بل شمل أيضاً مشاريع تنموية وسياحية كبرى داخل المملكة. فقد أطلق الصندوق شركة «إكسبو 2030 الرياض» لتطوير وتشغيل مرافق أول معرض إكسبو عالمي تستضيفه السعودية، مع العمل على استثمار هذه المرافق على المدى الطويل.
كما شهد العام تقدماً في مشاريع الترفيه والسياحة الفاخرة، من بينها افتتاح أول متنزه لـ«سيكس فلاغز» خارج أميركا الشمالية في القدية، إلى جانب الإعلان عن الافتتاح الرسمي لوجهة «آمالا» الساحلية. وهذه المشاريع لا تمثل فقط استثمارات عقارية أو ترفيهية، بل تدخل في إطار بناء قطاعات قادرة على توليد وظائف وزيادة الإنفاق السياحي وتوسيع مساهمة القطاع الخاص.
وانعكس هذا التوسع أيضاً في ارتفاع قيمة العقارات الاستثمارية التابعة للصندوق، بما يشير إلى اتساع قاعدة الأصول المدرة للقيمة وتنوع أدوات الاستثمار بين التطوير والتشغيل والاحتفاظ طويل الأجل.
تمويل أخضر وتنويع جغرافي للمحفظة
على صعيد التمويل، واصل الصندوق تطوير أدواته الاستثمارية عبر إصدار أول سندات خضراء مقومة باليورو بقيمة 1.65 مليار يورو، لاقت طلباً تجاوز المعروض بأكثر من ستة أضعاف. كما أطلق أول برنامج للأوراق التجارية، بما يوفر قناة تمويل قصيرة الأجل تعزز المرونة المالية وتدعم إدارة السيولة.
وتظهر بيانات المحفظة الاستثمارية التي تبلغ 576.4 مليار دولار توزعاً جغرافياً واسعاً، مع تركّز أكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. ويعكس هذا التنويع سعياً إلى موازنة المخاطر بين الأسواق الناضجة والناشئة، وبين الأصول التشغيلية والمالية.
كما عزز الصندوق علاقاته مع مؤسسات مالية عالمية، من خلال شراكات تهدف إلى تطوير استراتيجيات استثمارية أكثر ابتكاراً، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالمنطقة العربية والاقتصاد المتحول نحو التكنولوجيا والتمويل المستدام.
أثر أوسع على الاقتصاد الخاص وسلاسل الإمداد
يؤدي الصندوق دوراً يتجاوز كونه مستثمراً مباشراً، إذ يعمل كمنصة لتمكين القطاع الخاص السعودي وإشراكه في مشاريع كبرى عبر المشتريات والتوريد والتطوير والتشغيل. وقد عقد في هذا الإطار النسخة الثالثة من منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص، بمشاركة واسعة من الشركات والجهات الحكومية المعنية بالمشاريع الكبرى.
وتدعم هذه الآلية نمو الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع المحتوى المحلي، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد في القطاعات الجديدة. كما أن اتساع أعمال الصندوق يخلق طلباً مستداماً على الخدمات الهندسية والرقمية واللوجستية، بما ينعكس على بنية الاقتصاد السعودي ككل.
وبالنظر إلى حجم الأصول والنتائج المالية والاتجاهات الاستثمارية، يبدو الصندوق أقرب إلى نموذج مؤسسة تنموية-استثمارية تجمع بين العائد والتمكين، وتلعب دوراً محورياً في التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً ورقمية واستدامة.