استثمارات ضخمة وأثر اقتصادي ملموس
كشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية، ياسر الرميان، أن استثمارات الصندوق في أوروبا والمملكة المتحدة خلال الفترة من 2017 إلى 2025 بلغت نحو 98 مليار يورو، أي ما يعادل 112.8 مليار دولار.
وأوضح أن هذه التدفقات الاستثمارية لم تكن مجرد توسع مالي، بل انعكست مباشرة على الاقتصاد الأوروبي، إذ أسهمت في إضافة نحو 70 مليار يورو، أو 80.6 مليار دولار، إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة، إلى جانب توفير قرابة 160 ألف فرصة عمل في دول أوروبية مختلفة.
وتبرز هذه الأرقام حجم التحول الذي أحدثته الاستثمارات السيادية السعودية في الأسواق الأوروبية، خصوصاً مع تزايد اهتمام الشركات والصناديق الكبرى ببناء شراكات طويلة الأمد تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى دعم سلاسل القيمة، ونقل الخبرات، وتوسيع فرص العمل.
رسالة من روما عن الاستقرار وسلاسل الإمداد
جاءت تصريحات الرميان خلال جلسة حوارية ضمن أعمال قمة «الأولوية - أوروبا 2026» التابعة لمؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، والمنعقدة في العاصمة الإيطالية روما. وركزت مداخلته على أهمية التخطيط بعيد المدى في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية التي تؤثر في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وربط الرميان بين التجارب الأخيرة في المنطقة، ومنها أزمة مضيق هرمز، وبين الحاجة إلى بناء منظومات أكثر مرونة في الإمداد والتخزين والتوزيع. وقال إن هذه التحديات تثبت أن الاقتصادات الكبرى والشركات العالمية تحتاج إلى استراتيجيات استباقية تقلل من أثر الصدمات المفاجئة على الأعمال والأسواق.
وأضاف أن السعودية تبنت منذ وقت مبكر نهجاً يقوم على الاستعداد للمخاطر الجيوسياسية، وهو ما يظهر في طريقة إدارة الاستثمارات، وتطوير الأصول، وبناء حضور اقتصادي دولي قادر على امتصاص التقلبات.
أولوية جديدة للتعاون مع الشركاء الأوروبيين
أشار الرميان إلى أن صندوق الاستثمارات العامة يستعد لطرح نحو 140 فرصة استثمارية جديدة خلال المنتدى، بالتعاون مع شركاء أوروبيين، وأن قيمة المشاريع المشتركة المرتبطة بهذه الفرص قد تصل إلى 10.4 مليار يورو، أي 11.97 مليار دولار، حتى عام 2030.
ويعكس هذا التوجه رغبة الصندوق في توسيع حضوره داخل أوروبا، لا سيما في القطاعات التي تشهد تحولات سريعة مثل البنية التحتية، والطاقة، والتقنيات المتقدمة، وسلاسل التوريد، والمشروعات المرتبطة بالتحول الصناعي.
كما يرسل ذلك إشارة إلى أن العلاقة الاستثمارية بين الجانبين لم تعد مقتصرة على التمويل المباشر، بل باتت تتحرك نحو نماذج أوسع من الشراكات الاستراتيجية التي تربط رأس المال بالتصنيع والتشغيل والابتكار.
تخزين النفط ومرونة أمن الطاقة
في جانب الطاقة، أوضح الرميان أن أرامكو السعودية تمتلك مرافق لتخزين النفط في عدد من الأسواق الرئيسية، خصوصاً في آسيا، بما في ذلك كوريا الجنوبية واليابان، مشيراً إلى أن الشركة تدرس إنشاء منشآت تخزين إضافية في مناطق أخرى حول العالم.
ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز أمن الإمدادات ودعم استقرار الأسواق في فترات الاضطراب. كما يعكس رؤية تقوم على تنويع مواقع التخزين وتوسيع الهامش التشغيلي لمواجهة أي اختلالات في الإمدادات أو النقل.
وأشار الرميان أيضاً إلى أن أرامكو نجحت في الحفاظ على استمرار أكثر من 99 في المائة من عملياتها خلال فترات التوتر الأخيرة، وتمكنت من إعادة تشغيل منشآت تعرضت لهجمات صاروخية خلال مدة قصيرة نسبياً. واعتبر أن ذلك يؤكد قوة البنية التشغيلية للشركة وقدرتها على التعافي السريع وحماية استمرارية الأعمال.
عوائق تنظيمية في السوق الأوروبية
ورغم الفرص الكبيرة، لفت الرميان إلى وجود تحديات تنظيمية وقانونية قد تعرقل توسع استثمارات مؤسسات سعودية كبرى، مثل أرامكو و«سابك» وصندوق الاستثمارات العامة، في أوروبا. وأوضح أن بعض الأنظمة لا تؤثر فقط في إطلاق استثمارات جديدة، بل قد تمتد أيضاً إلى استدامة الاستثمارات القائمة.
ويرى الرميان أن هذا الملف يحتاج إلى معالجة أكثر توازناً، خصوصاً أن الجهات التنظيمية وصناع السياسات في أوروبا باتوا يدركون هذه الإشكاليات بدرجة أكبر. وأعرب عن أمله في أن تقود هذه المعرفة إلى حلول عملية تسهّل الاستثمار وتحمي المصالح المتبادلة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل المنافسة العالمية على رؤوس الأموال، حيث تبحث الدول الأوروبية عن استثمارات تدعم النمو والوظائف، بينما تطلب المؤسسات الاستثمارية إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً واستقراراً.
الطاقة والذكاء الاصطناعي وتغير الطلب العالمي
تطرق الرميان كذلك إلى النقاش الدائر حول مستقبل الطاقة، مؤكداً أن مصادر الطاقة المتجددة تشكل إضافة مهمة، لكنها لا تمثل بديلاً كاملاً عن النفط والغاز في المدى المنظور. وأشار إلى أن قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات والأسمدة وإنتاج الغذاء لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
وأضاف أن الطلب العالمي على الطاقة يزداد أيضاً بفعل التوسع الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية الرقمية، وهي عوامل ترفع استهلاك الكهرباء والموارد المرتبطة بها. ومن هذا المنطلق، دعا إلى تبني مفهوم أكثر واقعية في إدارة التحول الطاقي، بحيث يجمع بين الاستدامة ومتطلبات النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات.
ويعكس هذا الطرح اتجاهاً متنامياً لدى كبرى الشركات والصناديق السيادية، يتمثل في الاستثمار المتوازي في الطاقة التقليدية والمصادر الجديدة، بدلاً من النظر إلى التحول الطاقي بوصفه عملية استبدال كاملة وسريعة.
أوروبا أمام اختبار تنافسي جديد
من جانبه، قال الرئيس السابق لمؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، ريتشارد أتياس، إن أوروبا تمر بلحظة مفصلية في ظل تغيرات عالمية متسارعة تشمل الذكاء الاصطناعي، وتحولات الطاقة، وإعادة تشكيل حركة رؤوس الأموال، وتبدل خريطة سلاسل الإمداد، إلى جانب التحولات الجيوسياسية وظهور مراكز جديدة للقوة الاقتصادية.
وأكد أن القارة لا يمكنها الاكتفاء بالدفاع عن مكتسباتها السابقة، بل تحتاج إلى التنافس بقوة على فرص المستقبل. ويعكس هذا التصور المناخ العام للنقاشات الاقتصادية في روما، حيث تتقاطع ملفات الاستثمار والطاقة والتقنية في سياق واحد.
وفي المحصلة، تقدم تصريحات الرميان صورة واضحة عن الدور المتنامي للاستثمارات السعودية في أوروبا، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث التأثير في الوظائف والنمو وسلاسل الإمداد. كما تكشف عن انتقال الصناديق السيادية الكبرى إلى مرحلة أكثر نضجاً، تقوم على الشراكات الإستراتيجية وتوزيع المخاطر وبناء النفوذ الاقتصادي طويل الأجل.