الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 6 دقائق قراءة

دميترييف: منتدى بطرسبورغ الاقتصادي يجمع دولاً تسعى لشراكات جديدة في الطاقة والاستثمار

قال كيريل دميترييف إن منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي يستقطب أكثر من 130 دولة ويجمع حكومات وشركات تبحث عن شراكات عملية في الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، مع توسع ملحوظ في حضور دول الجنوب العالمي وأوروبا.

يواصل منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي ترسيخ موقعه كمنصة رئيسية للنقاشات المتعلقة بالتجارة والاستثمار والشراكات العابرة للحدود، في وقت تتغير فيه خريطة الاقتصاد العالمي وتتسع فيه أهمية التحالفات بين الدول الساعية إلى تنويع مصادر النمو. وفي هذا السياق، قال كيريل دميترييف إن المنتدى لم يعد مجرد تجمع سنوي للنقاشات النظرية، بل أصبح مساحة عملية تجمع أطرافاً من أكثر من 130 دولة تبحث عن فرص تعاون اقتصادي مباشر.

وبحسب ما أوضحه دميترييف، فإن المشاركة الواسعة في الدورة الحالية تعكس، من وجهة نظره، انتقال عدد كبير من الدول إلى نهج أكثر براغماتية في التعامل مع ملفات الاقتصاد والطاقة والاستثمار. وأشار إلى أن الحضور الدولي الكثيف يمنح المنتدى زخماً إضافياً، خصوصاً في ظل الاهتمام المتزايد من دول الجنوب العالمي، إلى جانب استمرار مشاركة ممثلين من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

منصة للشراكة الاقتصادية لا للمقاربات الأيديولوجية

ركّز دميترييف في تصريحاته على أن المنتدى يقوم على منطق الشراكة الاقتصادية المباشرة، لا على طرح نماذج سياسية أو أيديولوجية جاهزة. واعتبر أن هذا النهج يميّزه عن تجمعات اقتصادية أخرى، لأنه يفتح المجال أمام الدول والشركات لإبرام تفاهمات عملية تركز على النمو، وتوسيع الأسواق، وتسهيل تدفقات الاستثمار.

ويرى دميترييف أن المرحلة الحالية تتطلب مرونة أكبر في بناء العلاقات الاقتصادية الدولية، خاصة مع تصاعد التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وتباطؤ النمو في بعض الاقتصادات المتقدمة. ومن هذا المنظور، يبدو المنتدى فرصة لتبادل الخبرات واستكشاف مسارات تعاون جديدة بين الأسواق الصاعدة والدول ذات الخبرة الصناعية والمالية.

اتفاقات جديدة في التكنولوجيا والزراعة والبنية التحتية

أحد أبرز المؤشرات التي كشف عنها دميترييف يتعلق بخطط صندوق الاستثمار المباشر الروسي لتوقيع سبع اتفاقيات مع دول في الجنوب العالمي. ووفقاً للتصريحات، تشمل هذه الاتفاقيات مجالات متعددة، من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة والبنية التحتية وقطاعات استثمارية أخرى ذات أولوية.

وتعكس هذه الاتفاقات اتجاهًا واضحًا نحو تنويع مجالات التعاون بعيدًا عن القطاعات التقليدية، مع تركيز خاص على الأنشطة التي يمكن أن تنتج قيمة مضافة ملموسة وتدعم النمو طويل الأجل. كما أنها تشير إلى أن الاستثمار المشترك لم يعد يقتصر على التمويل المباشر، بل يمتد إلى بناء القدرات ونقل المعرفة وتطوير مشاريع عابرة للقطاعات.

حضور عربي وآسيوي متنامٍ

في حديثه عن الشراكات الإقليمية، شدد دميترييف على أن التعاون مع الشركاء العرب والآسيويين مستمر بوتيرة نشطة. وذكر أن هناك أكثر من 60 مشروعاً مشتركاً مع الإمارات، وأكثر من 55 مشروعاً مع السعودية، وأكثر من 60 مشروعاً مع الصين، إلى جانب مشاريع أخرى مع عدد من الدول.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق الشراكات الروسية في الشرق الأوسط وآسيا، وهي شراكات لا تقتصر على التبادل التجاري، بل تمتد إلى الاستثمار والبنية التحتية والتخطيط طويل المدى. كما تعكس اهتماماً متزايداً من دول المنطقة بمشاريع اقتصادية تتسم بالاستقرار والعائد العملي، في وقت تتسابق فيه الأسواق لجذب رؤوس الأموال العالمية.

كما أشار دميترييف إلى أن المملكة العربية السعودية هي الدولة الضيفة في المنتدى، في خطوة تمنح الحضور الخليجي مساحة أكبر في النقاشات الاقتصادية. وقال إن العلاقات مع الرياض تحمل أهمية خاصة لروسيا، بالنظر إلى المشاريع المشتركة القائمة، ودور اتفاقات التعاون في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية.

ملف الطاقة يعود إلى الواجهة

لم تغب الطاقة عن ملاحظات دميترييف، إذ ربط بين التحولات الاقتصادية في أوروبا وبين سياسات الابتعاد عن الإمدادات الروسية. وذكر أن ألمانيا كانت تعتمد سابقاً على الطاقة الروسية بنسبة كبيرة، قبل أن تبدأ بتكبد كلفة اقتصادية وصناعية أثقل مع تغير سياساتها في هذا المجال.

وبينما قدم هذه القراءة باعتبارها دليلاً على تراجع القدرة التنافسية لبعض الاقتصادات الأوروبية، فإن الرسالة الاقتصادية الأساسية كانت أن الطاقة ما تزال أحد أكثر الملفات حساسية في إعادة تشكيل العلاقات التجارية الدولية. فتكلفة الطاقة، وتوفر الإمدادات، واستقرار الأسعار، كلها عوامل تحدد في النهاية وجهة الاستثمار وحجم الإنتاج الصناعي.

كما أشار إلى أن عدداً من القوى الأوروبية بدأ يراجع حساباته، وأن حضور ممثلين عن أطراف سياسية واقتصادية مختلفة قد يعكس رغبة في فتح قنوات جديدة للحوار بشأن الطاقة والتجارة والتعاون الصناعي.

الاستثمار كأداة لإعادة بناء الروابط الدولية

من خلال ما أعلنه دميترييف، يظهر أن المنتدى يتجه إلى لعب دور أوسع من كونه حدثاً سنوياً للعرض والترويج. فهو يتحول إلى ساحة لتوقيع الاتفاقات، وتنسيق الأولويات الاستثمارية، وبناء قنوات تعاون بين دول تبحث عن بدائل أكثر استقراراً في عالم يزداد فيه التنافس على الموارد والأسواق.

وتزداد أهمية هذا النوع من المنتديات في بيئة عالمية تتأثر فيها قرارات الاستثمار بسرعة بالتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار الطاقة، وتغيرات التمويل الدولي. لذلك، فإن الجمع بين ممثلي الحكومات، والصناديق السيادية، والشركات، ورواد الأعمال، يمنح الاقتصاد مساحة أوسع لصياغة مسارات تعاون أقل تأثراً بالخطابات السياسية وأكثر ارتباطاً بالنتائج العملية.

المنتدى والشباب وريادة الأعمال

من الجوانب اللافتة أيضاً تخصيص يوم للشباب ضمن فعاليات المنتدى، مع نقاشات حول ريادة الأعمال والمسؤولية الاجتماعية في بناء الأعمال. ويعكس ذلك محاولة لربط أجندة الاستثمار التقليدية بموضوعات الاقتصاد الجديد، بما في ذلك دور الشباب في تأسيس الشركات الناشئة، وتطوير الأفكار، والمساهمة في بناء بيئة أعمال أكثر تنوعاً.

هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في الأسواق الناشئة، حيث تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال مصدراً رئيسياً لخلق الوظائف وتوسيع النشاط الاقتصادي. كما أن دمج البعد الاجتماعي في نقاشات الأعمال يعكس اتجاهاً متزايداً نحو استدامة النمو، لا مجرد تعظيم الأرباح على المدى القصير.

قراءة في دلالات المشاركة الدولية

الأرقام التي أشار إليها دميترييف حول عدد الدول المشاركة، وحجم المشاريع القائمة، وتعدد مجالات التعاون، توضح أن المنتدى أصبح أداة دبلوماسية اقتصادية بقدر ما هو منصة أعمال. فهو يجمع بين الرسالة الرمزية المتمثلة في الاتساع الجغرافي للمشاركين، والرسالة العملية المتمثلة في الاتفاقات والصفقات والنقاشات القطاعية.

وفي ظل استمرار تحولات الاقتصاد العالمي، تبدو مثل هذه المنصات مؤشراً على اتجاه أوسع نحو إعادة تشكيل الشبكات التجارية والاستثمارية حول مصالح أكثر تحديداً، مثل الطاقة والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا. ومن هنا، يأتي الحضور الواسع في المنتدى بوصفه انعكاساً لرغبة عدد من الدول في توسيع هوامشها الاقتصادية والبحث عن شراكات أقل تقلباً وأكثر ارتباطاً بالمشاريع الفعلية.

وبحسب المعطيات التي عرضها دميترييف، فإن المنتدى الحالي يسعى إلى ترجمة هذا الاتجاه إلى اتفاقات ملموسة ومسارات تعاون جديدة، مع استمرار التركيز على الأسواق الصاعدة والدول التي تنظر إلى الاستثمار باعتباره رافعة أساسية لتنمية اقتصاداتها.