إجراء أوروبي نادر يضغط على «ميتا»
اتخذت المفوضية الأوروبية خطوة استثنائية في مواجهة شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ أمرت «ميتا» بإتاحة الوصول المجاني إلى واجهة «واتساب للأعمال» أمام روبوتات ومساعدي الذكاء الاصطناعي المنافسة. ويأتي القرار بوصفه إجراءً احترازياً مؤقتاً، بينما تواصل بروكسل فحص ما إذا كانت الشركة الأميركية قد استخدمت موقعها المسيطر بطريقة تعيق دخول المنافسين إلى السوق.
وتحظى هذه الخطوة بأهمية خاصة لأنها ترتبط بمنصة تستخدمها الشركات للوصول إلى العملاء داخل أوروبا، ما يجعلها عنصراً مؤثراً في المنافسة على خدمات المحادثة المؤتمتة والتطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. كما تعكس الإجراء المتشدد الذي تتبعه الجهات التنظيمية الأوروبية تجاه المنصات الرقمية ذات النفوذ الواسع.
خلفية التحقيق وأسباب التدخل
بدأت القضية بعد شكاوى من شركات تطوير للمساعدات الذكية، بينها شركة أميركية ناشئة وأخرى فرنسية ومنافس إسباني، قالت إن «ميتا» قيّدت وصول المنافسين إلى أدوات الربط التقنية الخاصة بـ«واتساب للأعمال». وبعد فتح التحقيق في وقت سابق، رأت المفوضية أن الوضع قد يضر بالمنافسة قبل صدور الحكم النهائي، لذلك لجأت إلى تدبير سريع يهدف إلى إبقاء السوق مفتوحة.
وترى بروكسل أن الأسواق الرقمية تتحرك بسرعة كبيرة لدرجة أن الضرر قد يقع قبل انتهاء التحقيقات الطويلة. ولهذا اعتبرت أن حماية فرص الدخول إلى البنية التحتية الأساسية للتواصل مع المستخدمين أمر ضروري حتى لا يُحسم التنافس مسبقاً لصالح لاعب واحد يمتلك المنصة والمنتج في الوقت نفسه.
مهلة قصيرة وشروط إلزامية
وبموجب القرار، يجب على «ميتا» إعادة تفعيل الوصول الكامل إلى واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بـ«واتساب للأعمال» للمنافسين، وبالشروط نفسها التي كانت قائمة قبل الحظر، وذلك خلال خمسة أيام عمل فقط. ويعني ذلك عملياً أن الشركة لا تملك مساحة زمنية طويلة للتكيف، في إشارة إلى جدية المنظم الأوروبي في التعامل مع القضية.
ويحمل القرار أيضاً بعداً عقابياً محتملاً، إذ قد تواجه «ميتا» غرامة تصل إلى 10 في المائة من إيراداتها السنوية العالمية إذا انتهت التحقيقات النهائية إلى ثبوت مخالفة قواعد المنافسة الأوروبية. وهذه النسبة تجعل الملف أكثر حساسية للمستثمرين والمحللين، نظراً إلى التأثير المالي الكبير لأي عقوبة محتملة.
من إغلاق الوصول إلى فرض الرسوم
تعود جذور الخلاف إلى قرار اتخذته «ميتا» في أكتوبر الماضي بحجب خدمات الذكاء الاصطناعي المنافسة من الوصول إلى واجهة «واتساب للأعمال»، مع استثناء مساعدها الخاص. ثم عادت بعض الخدمات لاحقاً في مارس، لكن مقابل رسوم مالية، وهو ما اعتبرته المفوضية محاولة للالتفاف على جوهر المنافسة الحرة، لا استجابة كاملة لمتطلباتها.
وترى الجهات التنظيمية أن الرسوم نفسها قد تصبح أداة غير مباشرة لتقييد المنافسة إذا كانت تُفرض بطريقة تمنح المنتج الداخلي أفضلية واضحة. ومن هنا جاء التركيز الأوروبي على مبدأ المساواة في الوصول إلى البنية التقنية الأساسية، لا مجرد السماح الشكلي بالدخول إلى المنصة.
رد «ميتا» وتوقعات المواجهة القانونية
رفضت «ميتا» القرار واعتبرته عبئاً تنظيمياً غير مبرر، مؤكدة أنها ستطعن عليه قانونياً. وقالت الشركة إن المفوضية سمحت لبعض أكبر مزودي الذكاء الاصطناعي في العالم باستخدام خدمة مدفوعة مجاناً، وهو ما وصفته بأنه تدخل يضر بالتوازن التجاري ويكافئ المنافسين الكبار على حساب المنصة.
ومن المتوقع أن تتحول القضية إلى مواجهة قانونية موسعة، لأن نتائجها لن تمس «ميتا» وحدها، بل قد ترسم ملامح أوضح لكيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع منصات المراسلة والواجهات البرمجية عندما تتحول إلى بوابات أساسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما قد تؤثر على الطريقة التي تصمم بها الشركات الكبرى شروط الوصول إلى خدماتها للمطورين والناشئين.
ماذا تعني القضية لسوق الذكاء الاصطناعي؟
تتجاوز هذه القضية البعد القانوني المباشر لتصل إلى صميم المنافسة في الاقتصاد الرقمي. فالوصول إلى المستخدم النهائي يمثل أحد أكبر التحديات أمام الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما تمتلك المنصات العملاقة قنوات توزيع واسعة وقواعد مستخدمين ضخمة وأدوات تقنية مغلقة نسبياً.
وفي هذا السياق، قد يشكل قرار بروكسل رسالة واضحة مفادها أن السيطرة على البنية التحتية الرقمية لا تمنح حقاً مطلقاً في تفضيل المنتجات الداخلية. كما أن استمرار التحقيقات يضع معايير جديدة للنقاش حول التوازن بين الابتكار والهيمنة السوقية، خاصة في قطاعات تتغير بسرعة مثل المساعدات الذكية وخدمات المحادثة المؤتمتة.
وتبقى النتيجة النهائية مرهونة بتطورات التحقيق والطعون القانونية، لكن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي يواصل توسيع دوره كجهة رقابية مؤثرة في تنظيم الأسواق الرقمية العالمية، مع تركيز متزايد على حماية المنافسة قبل أن تصبح المنافسة نفسها أمراً صعباً أو متأخراً.