01-Jul-2026 5 دقائق قراءة

انكماش قطاع الخدمات البريطاني إلى أدنى مستوى منذ يناير 2023 وسط ضغوط على التوظيف والنمو

أظهر مسح حديث أن قطاع الخدمات في بريطانيا انكمش في يونيو بأسرع وتيرة منذ أوائل 2023، مع تراجع الطلبات الجديدة والتوظيف، ما يعمّق الضغوط على الاقتصاد البريطاني ويزيد مخاطر الدخول في ركود خلال الربع الثاني.

تراجع حاد في نشاط الخدمات

أظهرت بيانات مسح حديثة أن قطاع الخدمات في بريطانيا دخل في مرحلة انكماش خلال يونيو، مسجلاً أضعف أداء له منذ يناير 2023، في إشارة جديدة إلى هشاشة التعافي الاقتصادي في البلاد. ويُعد هذا القطاع الأكثر تأثيراً في النشاط الاقتصادي البريطاني، ما يجعل أي تباطؤ فيه مؤشراً مهماً على اتجاه الاقتصاد ككل.

وبحسب القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال»، هبط المؤشر إلى 48.7 نقطة، مقارنة بـ49.3 نقطة في القراءة الأولية، وبما دون مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش. كما جاءت النتيجة أقل من توقعات الأسواق التي كانت تميل إلى تحسن محدود فوق مستوى الحياد.

ويعكس هذا التراجع ضعفاً واضحاً في الطلب الجديد، إلى جانب تباطؤ ملحوظ في التوظيف، حيث انخفضت مستويات العمالة إلى أدنى مستوى لها منذ يناير 2021. وتدل هذه المؤشرات على أن الشركات بدأت تشعر بضغط أكبر على نشاطها اليومي، مع صعوبة تمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء أو الحفاظ على زخم الأعمال السابقة.

الطلب الضعيف يضغط على الشركات

أحد أبرز ملامح المسح كان التراجع الحاد في الطلبات الجديدة، وهو عنصر أساسي في أي قراءة لنشاط قطاع الخدمات. هذا الانخفاض يعني أن الشركات تواجه صعوبة في جذب أعمال جديدة أو الاحتفاظ بسرعة النمو نفسها التي حققتها في فترات سابقة.

كما كشفت البيانات عن تراجع في التوظيف، وهو ما يثير قلقاً إضافياً بشأن سوق العمل البريطاني. فعندما تخفض الشركات أعداد موظفيها أو تبطئ عمليات التوظيف، فإن ذلك لا ينعكس فقط على مستوى النشاط، بل يمتد أيضاً إلى الاستهلاك المحلي والثقة العامة في الاقتصاد.

ويرى محللون أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى حلقة تباطؤ أوسع، تبدأ بضعف الطلب ثم تقلص التوظيف، قبل أن تنعكس لاحقاً على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار الخاص. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات، يصبح هذا المسار أكثر حساسية من أي وقت مضى.

مخاطر الركود تعود إلى الواجهة

تأتي هذه البيانات بعد إعلان رسمي سابق هذا الشهر أظهر انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.1 في المائة في مايو. ومع توقعات «ستاندرد آند بورز غلوبال» بانكماش مماثل في يونيو، تزداد احتمالات أن يدخل الاقتصاد في حالة ركود خلال الربع الثاني من العام، بعد بداية قوية نسبياً في مطلع 2026.

هذا التباطؤ يعكس مزيجاً معقداً من العوامل، من بينها ضعف الثقة، وتذبذب النمو، وارتفاع التضخم مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة الكبرى، إضافة إلى الضغوط المستمرة على المالية العامة. وفي مثل هذا السياق، تصبح قدرة الحكومة والبنك المركزي على دعم النمو محدودة نسبياً بسبب الحاجة إلى موازنة الاستقرار المالي مع تجنب مزيد من التباطؤ.

وتشير التوقعات إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كان الاقتصاد البريطاني سيبقى في نطاق التباطؤ المؤقت أم سيتحول إلى ركود فعلي في الربع الثاني. وتبقى الخدمات، بما تمثله من وزن كبير في الناتج المحلي الإجمالي، العامل الأهم في ترجيح أحد السيناريوهين.

التكاليف تهدأ جزئياً لكن الضغوط تبقى مرتفعة

رغم الصورة السلبية للنشاط، حملت بيانات يونيو مؤشراً إيجابياً نسبياً يتمثل في تباطؤ ضغوط التكاليف. فقد تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل بعد أن كانت قد قفزت فوق 120 دولاراً في ذروة التوترات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. وأسهمت هدنة أولية بين الولايات المتحدة وإيران في إبقاء حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز مستمرة، وهو ما خفف جزئياً من حدة القلق في أسواق الطاقة.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الضغوط التضخمية اختفت. فالمؤسسة التي أعدت المسح حذرت من أن مستويات الأسعار لا تزال مرتفعة نسبياً، وأن الشركات ما زالت تواجه بيئة تكلفة غير مستقرة. ويؤثر ذلك على قرارات التسعير والتوظيف والاستثمار، خصوصاً في القطاعات الحساسة لتكاليف الوقود والخدمات اللوجستية.

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن ارتفاع التكاليف مع ضعف توقعات نمو الأعمال خلال العام المقبل يواصلان الضغط على سوق العمل. وأضاف أن وتيرة التوظيف ما زالت مقلقة، وأن حالة عدم اليقين السياسي الداخلي أضعفت ثقة بعض الشركات في المستقبل القريب.

السياسة النقدية أمام معادلة صعبة

في موازاة البيانات الضعيفة، برزت أيضاً إشارات من بنك إنجلترا إلى أن السياسة النقدية ستظل حذرة. فقد قال آلان تايلور، أحد صناع السياسة النقدية في البنك، إن إبقاء أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة ممتدة قد يكون الخيار الأنسب في ظل استمرار حالة عدم الوضوح في الاقتصاد والأسواق.

ورأى تايلور أن التغيرات الأخيرة في أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية لا تزال تفرض ضغوطاً على التوقعات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى صعوبة الجزم بأن هذه التطورات ستطلق موجة جديدة من تضخم الأجور والأسعار. واعتبر أن الاقتصاد البريطاني كان ضعيفاً بالفعل قبل اندلاع التوترات الأخيرة، ما يجعل تقييم المخاطر أكثر تعقيداً.

ويعني ذلك أن بنك إنجلترا يواجه معادلة حساسة: خفض الفائدة بسرعة قد يخفف الضغط على النشاط، لكنه قد يعيد إشعال التضخم. أما الإبقاء على التشديد لفترة أطول، فقد يزيد من ضعف النمو ويضغط أكثر على قطاع الخدمات والشركات الصغيرة والمتوسطة.

الصورة الأشمل للاقتصاد البريطاني

لا يقتصر التباطؤ على الخدمات فقط. ففي قطاع التصنيع، أظهر المسح تباطؤاً في وتيرة التوسع خلال يونيو، بينما انخفض المؤشر المركب الذي يجمع بين الخدمات والتصنيع إلى 49.4 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2025. وتُظهر هذه القراءة أن التباطؤ بات أوسع من قطاع واحد، حتى لو بقيت الخدمات المحرك الأكثر أهمية.

في المحصلة، تقدم بيانات يونيو صورة لاقتصاد بريطاني يواجه ضغوطاً متعددة الاتجاهات: نمو ضعيف، طلب هش، توظيف متراجع، وتضخم لم ينحسر بالكامل. وبينما قد يخفف تراجع أسعار الطاقة بعض العبء عن الشركات، فإن ذلك لا يكفي وحده لتغيير المشهد العام بسرعة.

وتبقى الأسابيع المقبلة مهمة لقياس ما إذا كانت هذه القراءات تعكس تباطؤاً مؤقتاً أم بداية مرحلة أعمق من الضعف الاقتصادي. لكن المؤكد حالياً أن قطاع الخدمات البريطاني دخل النصف الثاني من العام وهو تحت ضغط واضح، مع مؤشرات محدودة على تحسن قريب.