تراجعت أسعار الذهب في بداية الأسبوع مع صعود النفط عقب تبادل ضربات عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج، في وقت زادت فيه توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة من الضغط على المعدن النفيس الذي لا يدر عائدا.
وجاء الهبوط في الذهب متزامنا مع إعادة تسعير واسعة في الأسواق العالمية، إذ رأى المستثمرون أن أي تصعيد في الخليج قد يرفع تكلفة الطاقة ويعيد إحياء مخاوف التضخم، ما يجعل الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للدخل أقل جاذبية في بيئة ترتفع فيها الفائدة.
النفط يرفع مخاوف التضخم ويضع الذهب تحت الضغط
تحركت أسعار الخام صعودا بعد الضربات المتبادلة، وهو ما أعاد إلى الواجهة احتمال استمرار اضطراب الإمدادات أو تعطل مسارات الشحن الحيوية. وبينما يُنظر إلى الذهب عادة كأداة تحوط في أوقات التوتر، فإن هذه الوظيفة تصبح أقل فاعلية عندما يقترن الاضطراب الجيوسياسي بارتفاع عوائد السندات وتوقعات زيادة الفائدة.
وفي المعاملات الفورية، انخفض الذهب بنحو 0.7 في المائة ليبلغ 4061.35 دولار للأوقية، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بنسبة 0.5 في المائة إلى 4076.40 دولار. وبهذه الحركة، ظل المعدن الأصفر على مسار خسارة شهرية رابعة متتالية، بعد هبوط يقارب 10.4 في المائة.
ويرى محللون أن العلاقة بين النفط والذهب تغيرت في الأسابيع الأخيرة؛ فكل صعود حاد في الطاقة يرفع توقعات التضخم، لكنه في الوقت نفسه يعزز احتمالات إبقاء البنوك المركزية على مستويات فائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يحد من الطلب الاستثماري على الذهب.
توقعات الفائدة الأميركية تعمق خسائر المعدن الأصفر
تتركز أنظار الأسواق على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في ظل قناعة متزايدة بأن السياسة النقدية قد تبقى أكثر تشددا مما كان متوقعا في وقت سابق. ووفقا لتسعير المتعاملين، لا تزال هناك احتمالات قوية لرفع الفائدة خلال العام، مع زيادة الرهانات على تحرك جديد قبل نهاية ديسمبر.
هذه التوقعات تدعم الدولار وتضغط في المقابل على الذهب، لأن ارتفاع العائد الحقيقي على الأصول المقومة بالدولار يجعل المعدن النفيس أقل تنافسية كأداة ادخار أو استثمار. كما أن أي بيانات اقتصادية أميركية قوية، ولا سيما المتعلقة بسوق العمل، قد تمنح الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على موقفه المتشدد.
ويترقب المستثمرون صدور بيانات الوظائف في القطاع الخاص ثم تقرير الوظائف غير الزراعية، باعتبارها مؤشرات حاسمة على متانة الاقتصاد الأميركي واتجاه السياسة النقدية في النصف الثاني من العام.
الدولار القوي يضيف عبئا على المعادن
استقرار الدولار قرب أعلى مستوياته في عام شكل عاملا إضافيا للضغط على الذهب والفضة. فكلما ارتفعت العملة الأميركية، تراجعت القدرة الشرائية للمستثمرين الحاملين لعملات أخرى، ما يقلص الطلب العالمي على المعادن المسعرة بالدولار.
وفي هذا السياق، انخفضت الفضة في التداولات الفورية بنسبة 1.1 في المائة إلى 58.51 دولار للأوقية، بينما ارتفع البلاتين 1 في المائة إلى 1630.13 دولار، وصعد البالاديوم 0.8 في المائة إلى 1218.92 دولار. وتعكس هذه التحركات تباين شهية المستثمرين بين المعادن المختلفة بحسب الاستخدام الصناعي والملاذات الآمنة.
كما أن الضغوط التي تواجهها أسواق الأسهم العالمية، خصوصا في قطاعات التكنولوجيا الحساسة لارتفاع التقييمات، دفعت بعض المستثمرين إلى تعزيز السيولة أو التوجه نحو الدولار، بدلا من زيادة الانكشاف على الذهب خلال مرحلة عدم اليقين الحالية.
صناديق سيادية وبنوك مركزية تعيد رسم المحافظ
بعيدا عن التقلبات اليومية، أظهر مسح عالمي أن صناديق الثروة السيادية والبنوك المركزية، التي تدير أصولا مجتمعة تقترب من 29 تريليون دولار، باتت أكثر ميلا إلى الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها. ويعكس هذا التحول رغبة مؤسسات المال الكبرى في بناء محافظ أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية.
وشمل الاستطلاع 90 صندوقا سياديا و54 بنكاً مركزياً، وأظهر أن نحو 80 في المائة من المشاركين يعتبرون أمن الطاقة والبنية التحتية للتحول الطاقي من أكثر المجالات مصداقية لتعزيز مرونة المحافظ. كما بلغت حصة الاستثمارات في البنية التحتية نحو 9 في المائة من إجمالي أصول الصناديق السيادية في 2026.
ويرتبط هذا التوجه أيضا بتسارع بناء البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب استهلاكا مرتفعا للطاقة واستثمارات ضخمة في الشبكات والقدرات التشغيلية، ما زاد من جاذبية الأصول المرتبطة بالطاقة التقليدية والمتجددة في آن واحد.
القلق من الدولار والديون يدفع إلى تنويع أوسع
أظهر المسح كذلك أن المخاوف بشأن الدولار الأميركي لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا من إعادة تقييم أوسع للمخاطر. فارتفاع الدين الأميركي، إلى جانب حالة الضبابية الجيوسياسية، دفع عددا متزايدا من المسؤولين الماليين إلى البحث عن بدائل جزئية لحماية الأصول على المدى الطويل.
وبينما لا يزال التحول بعيدا عن الدولار تدريجيا بسبب غياب بديل موثوق يمتلك العمق والسيولة نفسيهما، فإن عددا أكبر من البنوك المركزية بدأ يراجع ترتيبات الحفظ والتسوية المالية، بل إن بعض المؤسسات اتجه بالفعل إلى تنويع جهات الحفظ خارج الولايات المتحدة.
وفي المقابل، زادت الرغبة في حيازة الذهب لدى شريحة من المستثمرين الرسميين، لكن ذلك لا يكفي بالضرورة لدعم الأسعار على المدى القصير إذا استمرت قوة الدولار أو بقيت الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة.
ماذا يعني ذلك للأسواق في الأشهر المقبلة
الرسالة الأساسية للأسواق تبدو واضحة: الذهب ما زال يعمل كملاذ، لكنه يواجه معادلة معقدة تجمع بين التوترات الجيوسياسية وارتفاع النفط وقوة الدولار واحتمالات الفائدة المرتفعة. وفي مثل هذه البيئة، قد يتحرك المعدن الأصفر في نطاق متقلب من دون اتجاه صاعد واضح ما لم تتراجع عوائد السندات أو يتراجع الدولار بشكل ملموس.
أما على المدى المتوسط، فسيظل المسار مرهونا بقدرة الاقتصاد الأميركي على امتصاص أثر التشدد النقدي، وبما إذا كانت الصدمات في الشرق الأوسط ستؤدي إلى موجة تضخم جديدة أم ستبقى محصورة في نطاق محدود. وفي كل الأحوال، تبدو أسواق السلع والعملات والأسهم مترابطة أكثر من أي وقت مضى، ما يجعل أي تطور سياسي أو أمني في الخليج سريعا في انتقاله إلى أسعار الأصول العالمية.