تتجه بروكسل إلى واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية في مسار الاتحاد الأوروبي المالي، مع انطلاق النقاشات الأولى حول الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034. ويضع هذا الملف القادة الأوروبيين أمام مهمة معقدة تتجاوز حسابات الأرقام، إذ يرتبط مباشرة بمستقبل الإنفاق المشترك، وتوزيع الأعباء بين الدول الأعضاء، والاختيارات الاستراتيجية التي ستحدد أولويات الاتحاد في السنوات المقبلة.
ويأتي هذا النقاش في وقت يواجه فيه الاتحاد ضغوطاً متزامنة من عدة جهات: الحاجة إلى تعزيز الدفاع والأمن السيبراني، تمويل الابتكار والتنافسية الصناعية، الحفاظ على دعم الزراعة وسياسات التماسك، والبحث عن مصادر تمويل جديدة تقلل الاعتماد على المساهمات الوطنية المباشرة. لذلك تبدو الموازنة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الأوروبية على الموازنة بين الطموح السياسي والواقعية المالية.
حجم الموازنة محور الخلاف الأول
تدور المواجهة الأساسية حول الحجم الإجمالي للموازنة. فالبرلمان الأوروبي يدفع نحو حزمة تبلغ نحو 1.79 تريليون يورو، بما يعادل 1.27% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، مع استبعاد أقساط سداد ديون صندوق التعافي الأوروبي من سقوف الإنفاق. أما المفوضية الأوروبية فتطرح مقترحاً أقل بقليل عند 1.76 تريليون يورو، أي ما يقارب 1.15% من الدخل القومي الإجمالي.
وفي المقابل، قدمت الرئاسة القبرصية لمجلس الاتحاد الأوروبي تصوراً أكثر تحفظاً يبلغ نحو 1.73 تريليون يورو، شاملاً أقساط الديون، أو ما يعادل 1.13% من الدخل القومي الإجمالي. ويعكس هذا الطرح موقف الدول الأكثر تشدداً في ضبط الإنفاق، والتي ترى أن أي توسع كبير في الموازنة سيترجم تلقائياً إلى زيادات إضافية في مساهماتها الوطنية.
هذا التباين لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل يكشف اختلافاً أعمق في الرؤية إلى دور الاتحاد الأوروبي نفسه: هل يجب أن يتحول إلى جهة مالية أكثر قوة وقدرة على الاستثمار المشترك، أم يبقى إطاراً تعاونياً محدود الموارد تحكمه الحسابات الوطنية لكل دولة؟
انقسام بين الدول المساهمة والدول المستفيدة
تقود ألمانيا وهولندا والسويد والدنمارك والنمسا جبهة واضحة تطالب بتقييد الإنفاق وعدم رفع المساهمات الوطنية. وتستند هذه الدول إلى الاعتبار المالي الداخلي، وإلى قناعة مفادها أن الميزانيات الوطنية لا تحتمل توسعاً إضافياً في التحويلات إلى بروكسل.
في الجهة المقابلة، تدافع دول جنوب وشرق أوروبا، وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا وبولندا، عن حماية البنود التقليدية المرتبطة بالزراعة والتنمية الإقليمية وسياسات التماسك. وترى هذه الدول أن خفض هذه المخصصات سيعمق الفجوات الاقتصادية بين المناطق الأوروبية، ويضعف قدرة الاتحاد على إدارة التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل أعضائه.
ويبرز في قلب هذا الخلاف أيضاً ملف الحسومات أو الخصومات التي تستفيد منها بعض الدول المساهمة الصافية في ميزانية الاتحاد. وقد وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هذه الآلية بأنها متقادمة، داعية إلى إلغائها أو توسيعها بشكل يضمن المساواة بين الدول الأعضاء. ويشير هذا الجدل إلى أن المفاوضات لا تدور فقط حول توزيع الأموال، بل حول قواعد العدالة المالية داخل الاتحاد.
التمويل المركزي مقابل إدارة أكثر وطنية
لا يقتصر الخلاف على حجم الأموال، بل يمتد إلى طريقة إدارتها. فالمفوضية الأوروبية تطرح إنشاء «خطط الشراكة الوطنية والإقليمية» التي تجمع معظم التمويل في إطار موحد على المستوى الوطني، على غرار النموذج المستخدم في صندوق التعافي بعد جائحة كورونا. ويعتقد مؤيدو هذا التوجه أنه يمنح الدول مرونة أكبر، ويربط التمويل بالإصلاحات، ويسمح بتحديد الأولويات بصورة أكثر تنسيقاً.
لكن البرلمان الأوروبي ينظر إلى هذه الصيغة بحذر، ويرى أنها قد تؤدي إلى تركيز السلطة المالية بيد الحكومات الوطنية والمفوضية على حساب الأقاليم والسلطات المحلية. ولذلك يطالب البرلمان بالإبقاء على خطوط تمويل مستقلة ومحمية للسياسة الزراعية المشتركة، وصناديق التنمية الإقليمية، وسياسة التماسك.
ويعكس هذا السجال خلافاً أوسع حول الحوكمة الأوروبية وحدود المركزية في إدارة الموارد. فكلما زادت رغبة المؤسسات المركزية في توحيد آليات الصرف، زاد تخوف الأقاليم من تراجع دورها في تحديد أولويات الإنفاق.
الابتكار والدفاع في مواجهة الزراعة والتماسك
تسعى المفوضية الأوروبية إلى تحويل جزء أكبر من الميزانية المقبلة نحو الدفاع والصناعات الاستراتيجية والابتكار والقدرة التنافسية. ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يتصل بالأزمة الأوكرانية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، واشتداد المنافسة مع الولايات المتحدة والصين في القطاعات المتقدمة.
غير أن الرئاسة القبرصية اختارت حماية مخصصات الزراعة والتنمية الإقليمية بدرجة كبيرة، ونقلت معظم التخفيضات المقترحة إلى برامج الدفاع والتنافسية. وقد ساعد هذا الخيار في تجنب مواجهة مباشرة مع دول الجنوب والشرق الأوروبي، لكنه أثار اعتراضات من الدول التي ترى أن تعزيز الدفاع يجب ألا يأتي على حساب جاهزية أوروبا الأمنية أو الصناعية.
وهنا يتضح أن الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة: فتعزيز السيادة الاقتصادية يتطلب استثمارات في التكنولوجيا والدفاع، لكن الحفاظ على التماسك السياسي والاجتماعي يستلزم استمرار الدعم للمناطق والقطاعات التقليدية.
البحث العلمي والتعليم تحت ضغط إعادة التوزيع
يشكل ملفا البحث العلمي والتعليم مثالاً واضحاً على حجم التباين بين المؤسسات الأوروبية. فالبرلمان الأوروبي يريد رفع مخصصات برنامج «هورايزون أوروبا» للبحث والابتكار إلى 200 مليار يورو، في حين تقترح المفوضية 175 مليار يورو، وتخفض الرئاسة القبرصية الرقم إلى 167 مليار يورو. ويعكس هذا الفارق اختلافاً في تقدير مدى أولوية الاستثمار في المعرفة والابتكار ضمن ميزانية الاتحاد المقبلة.
ويظهر الخلاف نفسه في برنامج «إيراسموس+» للتبادل الطلابي، حيث يدفع البرلمان باتجاه نحو 48 مليار يورو، مقابل 40.8 مليار في مقترح المفوضية و39.1 مليار في صيغة الرئاسة القبرصية. ويرى البرلمان أن تقليص هذه البرامج يناقض الخطاب الأوروبي الذي يؤكد باستمرار أهمية رفع القدرة التنافسية وتعزيز رأس المال البشري.
وبالنظر إلى التحولات الرقمية والاقتصادية العالمية، تبدو هذه البرامج أكثر من مجرد بنود تعليمية؛ فهي أدوات لبناء قاعدة مهارات أوروبية قادرة على مواكبة أسواق المستقبل.
الضرائب الرقمية تبرز كمصدر تمويل بديل
أحد أكثر جوانب النقاش إثارة يتعلق بمصادر التمويل الجديدة أو ما يعرف بـ«الموارد الذاتية». فالبرلمان الأوروبي يضغط بقوة لتوسيع هذه القاعدة، حتى لا تبقى الميزانية رهينة للمساهمات الوطنية. وتشمل المقترحات المطروحة ضريبة أوروبية على الشركات الرقمية الكبرى، وعائدات نظام تداول الانبعاثات الكربونية، ورسوم آلية تعديل الكربون على الحدود، وضرائب على التبغ، ورسوم على النفايات الإلكترونية، وموارد مرتبطة بالأصول المشفرة، إضافة إلى رسوم على أنشطة المقامرة والألعاب الإلكترونية.
ويعكس إدراج الشركات الرقمية ضمن هذه الحزمة اتجاهاً أوسع داخل أوروبا لتحميل الاقتصاد الرقمي جزءاً من كلفة تمويل السياسات العامة. كما ينسجم ذلك مع نقاش عالمي متصاعد حول عدالة الضرائب بين الشركات متعددة الجنسيات والأسواق التي تحقق فيها أرباحها.
لكن هذا المسار قد يفتح باب توتر جديد مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تعارض منذ سنوات الضرائب الأوروبية التي تستهدف شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى. لذلك لا يبدو أن النقاش المالي الأوروبي منفصل عن التوازنات التجارية عبر الأطلسي.
مفاوضات طويلة قبل الحسم النهائي
من غير المتوقع أن تفضي قمة 18 و19 يونيو إلى اتفاق نهائي، لكنها ستشكل بداية سياسية رسمية لمعركة مرشحة للاستمرار حتى 2027. وستعمل القمة على تحديد خطوط التفاوض الأساسية، قبل انتقال الملف إلى مراحل أكثر تفصيلاً خلال الرئاسة الإيرلندية المقبلة لمجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2027.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الهوة لا تزال واسعة بين البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، وبين المعسكر الداعي إلى إنفاق أكثر طموحاً وتلك التي تفضل الانضباط المالي. وفي الخلفية، يقف سؤال أكبر من الأرقام: أي نوع من الاتحاد الأوروبي يريد القادة بناءه في العقد المقبل؟
هل سيكون اتحاداً أكثر استعداداً للاستثمار الجماعي في الدفاع والتكنولوجيا والسيادة الاقتصادية، أم سيظل مقيداً بحدود الموازنات الوطنية وبالانقسامات التقليدية بين المساهمين الصافيين والمستفيدين من الإنفاق المشترك؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الموازنة المقبلة، بل ستؤثر أيضاً في قدرة أوروبا على التعامل مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة في السنوات القادمة.