01-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الذكاء الاصطناعي والتوترات الجيوسياسية يتصدران أجندة «دافوس الصيفي» في داليان

هيمنت ملفات الذكاء الاصطناعي والانقسامات الجيوسياسية على اجتماع «دافوس الصيفي» في الصين، وسط تحذيرات من تأثير التقنية على الوظائف، ومخاوف من تجزئة الاقتصاد العالمي وتباطؤ النمو.

الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش الاقتصادي العالمي

فرض الذكاء الاصطناعي نفسه على جدول أعمال «دافوس الصيفي» المنعقد في مدينة داليان الصينية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي باتت تهيمن على حسابات النمو والاستثمار والتجارة الدولية. وفي حين ينظر كثير من الخبراء إلى التقنيات الحديثة بوصفها محركاً أساسياً للإنتاجية وخلق الفرص، تتزايد في المقابل المخاوف من آثارها على الوظائف، والأمن السيبراني، واستقرار الأسواق.

ويجمع المؤتمر السنوي الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي قادة أعمال وصناع سياسات وخبراء اقتصاد من مناطق مختلفة، في محاولة لقراءة الاتجاهات الكبرى التي تشكل ملامح الاقتصاد الدولي خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، برزت الأسئلة المتعلقة بكيفية تحويل الطفرة التكنولوجية إلى نمو ملموس لا يبقى محصوراً في قطاعات محددة أو في تقييمات الأسواق المالية.

وقال ميريك دوسيك، المدير الإداري للمنتدى الاقتصادي العالمي، إن الذكاء الاصطناعي يغير بنية الصناعة والاقتصاد بصورة عميقة، مع إمكانات واسعة في مجالات مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الرقمية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التحدي لا يكمن في الابتكار وحده، بل في قدرة الحكومات والشركات على ضمان انتقال هذا الابتكار إلى الاقتصاد الحقيقي، بحيث ينعكس على الإنتاج والدخل وفرص العمل.

مخاوف من أثر التقنية في الوظائف والأمن

رغم التفاؤل المرتبط بالتقنيات الناشئة، فإن قلقاً متصاعداً يحيط بتأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، مع تقديرات بأنه قد يحل محل عدد من الوظائف أو يعيد تشكيلها بشكل جذري. وتزداد هذه المخاوف مع اتساع استخدامه في مجالات الأمن والهجمات السيبرانية، وكذلك في التطبيقات العسكرية، ما يجعل النقاش حوله اقتصادياً وأمنياً في آن واحد.

وترى دوائر اقتصادية أن التحدي الأساسي يتمثل في وضع سياسات قادرة على تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار وحماية العمالة، خصوصاً في القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة. كما تبرز الحاجة إلى برامج تدريب وإعادة تأهيل مهني تساعد القوى العاملة على الانتقال إلى وظائف جديدة تتطلب مهارات رقمية وتحليلية أعلى.

وفي خلفية هذا النقاش، تتزايد الضغوط على الحكومات لوضع أطر تنظيمية واضحة للذكاء الاصطناعي، بما يحد من مخاطره دون خنق فرص النمو التي يتيحها. ويعكس ذلك تحول التقنية من ملف تكنولوجي بحت إلى قضية اقتصادية شاملة تمس الإنتاجية والتعليم والصحة والحوكمة.

الانقسامات الجيوسياسية تضيف ضبابية إلى النمو العالمي

إلى جانب التكنولوجيا، احتلت الانقسامات الجيوسياسية موقعاً مركزياً في الحوار الدائر داخل المؤتمر. فقد حذر مسؤولو المنتدى وخبراء الاقتصاد من أن تشظي النظام الدولي قد يضيع على العالم فرصاً واسعة للنمو، خاصة إذا اتجهت الاقتصادات الكبرى إلى المزيد من العزلة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد على أسس سياسية أكثر منها اقتصادية.

وقال دوسيك إن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة «فاترة»، مضيفاً أن تعمق الانقسامات الاقتصادية والجيوسياسية قد يحد من الاستثمار والتجارة ويزيد من كلفة التمويل ويضغط على الشركات متعددة الجنسيات. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتسم فيه الأسواق بحساسية شديدة تجاه أي اضطراب في الممرات البحرية أو في تدفقات الطاقة.

وتفاقمت هذه الأجواء مع استمرار تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما نتج عنها من اضطراب في حركة الشحن القادمة من منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط. ويضيف ذلك طبقة جديدة من عدم اليقين إلى آفاق الاقتصاد العالمي، خصوصاً في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطاً متزامنة من الفائدة المرتفعة وتباطؤ الطلب وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.

الصين تعرض رؤيتها وسط تحديات داخلية وخارجية

في موازاة ذلك، ألقى رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ كلمة رئيسية خلال اجتماع «الأبطال الجدد» التابع للمنتدى، في خطاب حظي بمتابعة واسعة من قادة الأعمال والتكنولوجيا. ويترقب المشاركون أن يقدم الخطاب إشارات إلى رؤية بكين حيال مسار الاقتصاد الصيني، ودوره في البيئة العالمية المضطربة.

ويأتي ذلك في وقت يظل فيه الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكنه يواجه تحديات متراكمة منذ جائحة كورونا، وفي مقدمتها ضعف الاستهلاك المحلي وأزمة الديون المرتبطة بقطاع العقارات. وعلى الرغم من قوة الصادرات والتقدم السريع في الذكاء الاصطناعي، فإن هذه العوامل لم تكفِ بعد لتعويض التباطؤ في بعض محركات الطلب الداخلي.

وتزداد حساسية هذه التحديات في ظل العلاقات المتوترة بين بكين وواشنطن، إذ لا تزال المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم تؤثر في الاستثمارات والتجارة وسلاسل الإمداد. ولهذا، تبدو الرسائل الصادرة من الاجتماعات الاقتصادية الدولية ذات أهمية تتجاوز البعد النظري، لأنها ترتبط مباشرة باتجاهات السياسات المقبلة.

المنافسة الأميركية الصينية ومخاطر «فخ ثوسيديدس»

أعاد الأكاديمي غراهام أليسون، أستاذ العلوم السياسية في كلية هارفارد كينيدي، طرح مفهوم «فخ ثوسيديدس» في نقاشات المؤتمر، مشيراً إلى أن احتمال المواجهة بين الولايات المتحدة والصين لا يزال قائماً. ويستخدم هذا المفهوم لوصف المخاطر التي تنشأ عندما تتحدى قوة صاعدة قوة مهيمنة، بما يرفع احتمالات الصدام إذا غابت إدارة مرنة للعلاقة بين الطرفين.

وأوضح أليسون أن التاريخ يقدم أمثلة على كيفية تحوّل المنافسة الاستراتيجية إلى نزاع مفتوح عندما تعتمد الدول الكبرى على قنوات دبلوماسية تقليدية لا تكفي لاحتواء التحولات في موازين القوة. ومع ذلك، لفت إلى أن الاتصالات الأخيرة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب تحمل قدراً من التفاؤل، لأنها توحي بمحاولة مشتركة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وأشار أيضاً إلى أن بكين تبدو واعية بطبيعة هذا التحدي، مستنداً إلى دعوة شي جينبينغ خلال قمة عقدت في بكين الشهر الماضي إلى تجاوز «فخ ثوسيديدس» وبناء نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى. وفي رأيه، لم تكن هذه الإشارة عابرة، بل تعكس إدراكاً صينياً لحساسية المرحلة.

ومن جهة أخرى، اعتبر أليسون أن واشنطن تلقت رسائل واضحة من ردود بكين على الرسوم الجمركية المرتفعة، خصوصاً عبر تقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة. وهذه الخطوة، وفقاً لقراءته، أظهرت أن الصين أصبحت قادرة على التأثير في سلاسل توريد حساسة، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم شكل المنافسة وحدودها.

أسواق المال والطاقة والمعادن تترقب انعكاسات المشهد

المناخ العام الذي رسمه المؤتمر يتقاطع مع حالة ترقب أوسع في الأسواق العالمية، حيث يراقب المستثمرون تأثير التطورات الجيوسياسية على الطاقة والنقل والمواد الأولية. وقد انعكس هذا الحذر في تحركات الأسهم الأوروبية التي بدأت تداولاتها على نحو هادئ، فيما بقيت أسعار النفط قرب مستويات مرتفعة نسبياً وسط توقعات بتحسن مرور الشحنات عبر مضيق هرمز.

كما برزت في أسواق المعادن إشارة واضحة إلى التحولات التي يصنعها الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية والطلب الصناعي. فالنحاس، على سبيل المثال، يستفيد من توقعات مرتبطة بتوسع مراكز البيانات وشبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية، وهي قطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة في المعادن الأساسية. وهذا يوضح كيف صار الذكاء الاصطناعي عاملاً غير مباشر في تشكيل أسواق السلع، وليس فقط في صناعة البرمجيات والخدمات الرقمية.

وتظهر هذه الترابطات أن الاقتصاد الرقمي لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد الكلي، بل أصبح جزءاً من معادلة أشمل تشمل الطاقة والتمويل والتجارة والأمن. ومن هنا، تبدو النقاشات التي دارت في داليان انعكاساً لمرحلة عالمية جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية، وتتحول فيها القرارات الرقمية إلى عامل مؤثر في النمو والاستقرار والقدرة التنافسية للدول والشركات على حد سواء.