استقبلت الأسواق الآسيوية الربع المالي الجديد بحالة من الترقب، في وقت تزايدت فيه ضغوط العوائد المرتفعة على الأصول الخطرة، بينما بقيت أنظار المستثمرين معلقة على مسار السياسة النقدية الأميركية واحتمال امتداد التوترات الجيوسياسية إلى أسواق الطاقة والعملات.
وجاء الأداء المتحفظ للمستثمرين بعد مزيج من العوامل المتداخلة: تعثر في الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وارتفاع واضح في عوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب تجدد الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي الباب مفتوحاً أمام تشديد إضافي إذا واصلت البيانات الاقتصادية الأميركية مفاجأتها القوية.
العوائد المرتفعة تعيد تشكيل شهية المخاطرة
قفز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.55 في المائة، وهو مستوى يعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الفائدة الأميركية قد تبقى أعلى لفترة أطول. هذا التحرك لم يمر من دون أثر، إذ انعكس على أسواق الأسهم العالمية وعلى تسعير العملات، وخصوصاً في الاقتصادات التي تراقب عن كثب فارق العوائد مع الدولار.
وتستند هذه القراءة إلى تحسن التوقعات بشأن أسعار الفائدة في الأمد القريب، مع اقتراب صدور بيانات التوظيف الأميركية التي غالباً ما تحدد اتجاه الأسواق خلال النصف الأول من الشهر. وتشير تسعيرات العقود الآجلة إلى أن احتمال رفع الفائدة في الاجتماع المقبل لا يزال قائماً، وإن كان محدوداً، بينما ترتفع فرص التحرك في اجتماع لاحق إذا ثبتت قوة سوق العمل.
وفي هذا السياق، تترقب الأسواق كلمة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال مؤتمر اقتصادي أوروبي، بحثاً عن أي إشارات جديدة حول نبرة البنك المركزي الأميركي. ورغم أن توقعات المستثمرين أصبحت أكثر حساسية للبيانات، فإن لهجة الفيدرالي ما تزال المحرك الأهم لتسعير المخاطر في الأصول المالية.
الين الياباني تحت الضغط واحتمالات التدخل تبقى مطروحة
في سوق العملات، واصل الدولار تقدمه أمام الين الياباني، ليصل إلى أعلى مستوياته في أربعة عقود تقريباً. هذا الهبوط الجديد للعملة اليابانية أعاد إلى الواجهة النقاش حول إمكانية تدخل السلطات النقدية اليابانية، خصوصاً بعد أن أنفقت طوكيو بالفعل مبالغ ضخمة في الأشهر السابقة من دون تحقيق استقرار مستدام.
ورغم أن السلطات اليابانية لم تُظهر حتى الآن استعداداً للتدخل الفوري، فإن التراجع الحاد في الين يزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية، خاصة مع أثره على تكلفة الواردات والطاقة. وفي المقابل، يرى بعض المحللين أن قوة الدولار هي العامل الأساسي في التحرك الأخير، أكثر من كون الين ضعيفاً بذاته، وهو ما يعني أن أي تراجع في العملة الأميركية قد يخفف من حدة الأزمة بسرعة نسبية.
كما أن انخفاض أسعار النفط في الفترة الأخيرة قدّم بعض الدعم للاقتصاد الياباني، بوصفه مستورداً صافياً للطاقة، ما يحد جزئياً من الأثر السلبي لهبوط الين. لكن هذا الأثر يبقى محدوداً إذا استمر الدولار في الارتفاع بدعم من العوائد الأميركية.
التكنولوجيا تواصل دعم الأسهم رغم الضغوط
على الرغم من أجواء الحذر، واصلت أسهم التكنولوجيا لعب دور المساند الرئيسي للأسواق، خصوصاً في اليابان وكوريا الجنوبية. فقد استفاد مؤشر نيكي من الزخم المتواصل في أسهم الشركات المرتبطة بالتقنية، بينما ظل المستثمرون في سول يراقبون صعوداً استثنائياً في أسهم أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن الصورة في كوريا الجنوبية كانت أكثر توازناً، إذ تراجع المؤشر الرئيسي بعد موجة صعود قوية جداً خلال الربع السابق، ما يوحي بأن جزءاً من المكاسب أصبح عرضة لجني الأرباح مع انتقال السوق إلى مرحلة أكثر حساسية للنتائج الفعلية للشركات والتوقعات المستقبلية.
أما في بقية آسيا، فقد بقي المؤشر الإقليمي الأوسع شبه مستقر، في إشارة إلى أن المستثمرين يفضلون الانتظار قبل اتخاذ مراكز أكبر، إلى أن تتضح ملامح السياسة النقدية الأميركية وتقديرات العوائد الفصلية للشركات الكبرى.
نتائج الشركات تصبح عاملاً حاسماً
يرى المستثمرون أن موسم النتائج المقبلة قد يكون العامل الفاصل في مسار الأسهم خلال الأسابيع المقبلة. فمع ارتفاع تكلفة التمويل وتحول السندات إلى بديل أكثر جاذبية، تحتاج الأسواق إلى نمو قوي في الأرباح، وخصوصاً من شركات التكنولوجيا، كي تبرر استمرار التقييمات المرتفعة.
وفي آسيا، ترتبط هذه المعادلة بشكل مباشر بقدرة الشركات الصناعية والتكنولوجية على تحويل الطلب العالمي، ولا سيما الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إلى نمو فعلي في الإيرادات وهوامش الربح. لذلك، فإن أي إشارة إلى تباطؤ الطلب أو ضعف الإنفاق الرأسمالي قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة.
كما أن أسواق الأسهم لا تتحرك بمعزل عن السندات. فارتفاع العوائد يعني عملياً أن تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأسهم تصبح أعلى، ما يفرض على الشركات تحقيق أداء أقوى كي تحافظ على جاذبيتها الاستثمارية.
النفط واليورو والذهب تحت تأثير السياسة النقدية
في أسواق السلع والعملات، ساهمت التطورات الأخيرة في إبقاء النفط عند مستويات أعلى نسبياً، مع تأثره بعوامل العرض والمخاطر الجيوسياسية. وارتفع خام برنت وكذلك الخام الأميركي بشكل طفيف، بينما بقي الذهب تحت ضغط واضح بعد أداء فصلي ضعيف، في ظل صعود الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية.
أما اليورو، فظل قريباً من أدنى مستوياته في أكثر من عام، مع ترقب المستثمرين لبيانات التضخم في منطقة اليورو. وتراجع تسعير الأسواق لاحتمال رفع جديد للفائدة الأوروبية في المدى القريب، ما يشير إلى أن دورة التشديد في أوروبا قد تقترب من نهايتها، أو على الأقل من مرحلة أكثر حذراً.
هذه التطورات مجتمعة تؤكد أن الأسواق دخلت مرحلة تسعير أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع السياسة النقدية مع مخاطر الجغرافيا السياسية ونتائج الشركات، في وقت لم يعد فيه المستثمرون يكتفون بتوقعات النمو وحدها، بل يركزون أيضاً على كلفة التمويل واتجاه العملات واستقرار سلاسل الإمداد.
ترقب واسع لبيانات الوظائف الأميركية
تبقى بيانات الوظائف الأميركية المرتقبة العامل الأكثر تأثيراً على معنويات الأسواق في الأمد القصير. فإذا جاءت الأرقام قوية، فقد تعزز الاعتقاد بأن الفيدرالي لا يزال أمامه هامش للمحافظة على التشدد، وهو ما قد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى ويزيد الضغط على الأسهم والعملات الآسيوية.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً في التوظيف، فقد تحصل الأسواق على فسحة مؤقتة من الارتياح، مع تراجع احتمالات رفع الفائدة وتحسن شهية المخاطرة. وفي كلتا الحالتين، تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، إذ ستتحرك الأسواق بناءً على التفاصيل الدقيقة أكثر من العناوين العامة.
وبين رهانات الفائدة، وتقلّبات العملات، وتحول المستثمرين نحو القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، تدخل الأسواق العالمية الربع الجديد بميزان دقيق من الحذر والانتقاء، في انتظار ما إذا كانت البيانات المقبلة ستدعم رواية النمو أم تؤكد أن دورة التشديد النقدي ما تزال تضغط بقوة على الأصول المالية.