توقعات أقل لبرنت في النصف الثاني من 2026
خفض بنك جي بي مورغان تقديراته لمتوسط سعر خام برنت في النصف الثاني من عام 2026، في إشارة جديدة إلى أن السوق قد تواجه مرحلة أضعف من الزخم السعري مقارنة بالتقديرات السابقة. ويستند هذا التعديل إلى مزيج من العوامل، أبرزها تباطؤ الطلب العالمي على النفط، وكون السحب من المخزونات التجارية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية جاء أقل من المتوقع.
وبحسب تقديرات البنك، فإن متوسط سعر برنت قد يصل إلى 86 دولاراً للبرميل في الربع الثالث، ثم يتراجع إلى 80 دولاراً في الربع الرابع، قبل أن ينهي العام عند نحو 78 دولاراً للبرميل. وتعكس هذه الأرقام رؤية أكثر تحفظاً لحركة السوق مع اقتراب نهاية 2026، مقارنة بالسيناريوهات السابقة التي كانت تمنح الأسعار مساحة أكبر للصعود.
ويرى البنك أن البيئة الحالية لا توفر دعماً كافياً لارتفاعات قوية، لأن الضغوط الصعودية على الأسعار باتت أضعف مع استمرار تراجع استهلاك الخام في بعض الأسواق، إلى جانب انخفاض وتيرة سحب المخزونات مقارنة بما كان متوقعاً.
المخزونات التجارية والطلب يخففان الضغوط على السوق
أحد أهم المؤشرات التي استند إليها البنك هو أن عمليات السحب من المخزونات التجارية في دول المنظمة جاءت دون التوقعات، بينما جاء ضعف الطلب أكثر وضوحاً من السيناريو السابق. وفي العادة، يؤدي تراجع المخزونات بسرعة إلى دعم الأسعار، لكن تباطؤ هذا السحب يعني أن السوق لا تزال تمتلك هامشاً من الإمدادات يحد من أي قفزات حادة.
كما أشار جي بي مورغان إلى أن إجمالي تدفقات النفط الحالية يبلغ نحو 8.6 مليون برميل يومياً، بينما بلغ المتوسط منذ بداية يونيو حتى الآن 6.3 مليون برميل يومياً. ورغم أن هذا يمثل تحسناً نسبياً مقارنة بمستويات أبريل ومايو، فإن الصورة العامة لا تزال تميل إلى وفرة المعروض أكثر من شحّه.
وفي سياق متصل، لفت البنك إلى أن المشغلين في القطاع الخاص لم يشاركوا على نطاق واسع في السحب من المخزونات، وأن الاعتماد كان شبه كامل على الإفراجات الحكومية من الاحتياطي الاستراتيجي لضمان استمرار عمل المصافي. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من مرونة السوق لا يأتي من تحسن هيكلي في الطلب، بل من إجراءات استثنائية لإدارة الإمدادات.
الربع الرابع من 2026 قد يشهد فائضاً في المعروض
يتوقع البنك أن يستمر انخفاض مخزونات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنحو 50 مليون برميل إضافية بين أبريل ويوليو. لكن هذه الحركة، وفق القراءة التحليلية للبنك، قد لا تكون كافية لتغيير الاتجاه العام في النصف الثاني من العام، خصوصاً إذا ظل الطلب العالمي تحت الضغط.
ويذهب جي بي مورغان إلى أن السوق قد تدخل لاحقاً في مرحلة فائض معروض خلال الربع الرابع من 2026 والنصف الأول من 2027. وفي مثل هذه الحالة، قد تصبح الحاجة إلى خفض الإنتاج أمراً مرجحاً في أوائل 2027، بعد فترة يُتوقع فيها أن يعمل المنتجون عند مستويات شبه قصوى في أواخر 2026.
هذا التقدير يعكس نمطاً مألوفاً في أسواق الطاقة، حيث يسبق التوسع في الإنتاج ظهور ضغوط على الأسعار، ثم يبدأ المنتجون بمراجعة مستويات الضخ عندما تتراكم الإمدادات فوق الطلب. وبالنسبة للمستثمرين والمتعاملين في السوق، فإن مثل هذه الإشارات غالباً ما تكون أكثر أهمية من السعر الحالي نفسه، لأنها تحدد اتجاه السوق في الأشهر اللاحقة.
بيانات المخزون الأميركية تضيف صورة مختلطة للسوق
في الولايات المتحدة، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة انخفاضاً في مخزونات النفط الخام خلال الأسبوع الماضي، مقابل ارتفاع في مخزونات البنزين ونواتج التقطير. وذكرت الإدارة أن المخزونات تراجعت بمقدار 6.1 مليون برميل لتصل إلى 412.1 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 19 يونيو، وهو انخفاض أكبر من توقعات السوق التي كانت تشير إلى هبوط أقل.
كما انخفضت مخزونات الخام في مركز التسليم بكوشينغ في أوكلاهوما بمقدار 1.1 مليون برميل. غير أن هذه القراءة الإيجابية نسبياً ترافقت مع تراجع استهلاك المصافي من الخام وانخفاض معدل تشغيلها، ما يحد من دلالة التراجع في المخزونات بوصفه مؤشراً على تشدد حقيقي في السوق.
في المقابل، ارتفعت مخزونات البنزين بمقدار 2.1 مليون برميل إلى 216.3 مليون برميل، كما زادت مخزونات نواتج التقطير، بما فيها الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 3.1 مليون برميل لتصل إلى 106.1 مليون برميل. وهذا التباين بين الخام والمنتجات المكررة يشير إلى أن صورة الطلب النهائي لا تزال غير مستقرة.
كما ارتفع صافي واردات الولايات المتحدة من الخام خلال الأسبوع الماضي، في وقت ظل فيه السوق يوازن بين بيانات المخزون والطلب المحلي من جهة، وبين إشارات العرض العالمي من جهة أخرى.
عجز الحساب الجاري الأميركي يسلط الضوء على تدفقات رؤوس الأموال
تزامنت هذه التطورات مع صدور بيانات أميركية أظهرت اتساع عجز ميزان المعاملات الجارية في الربع الأول بأكثر من المتوقع. وبلغ العجز 226.8 مليار دولار، أي ما يعادل 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ2.8 في المائة في الربع السابق.
ويعكس هذا المؤشر الفارق بين ما تستورده الولايات المتحدة من سلع وخدمات واستثمارات وبين ما تصدره، كما يعكس تحولات في رصيد الدخل الأولي. وقد تراجع هذا الرصيد إلى عجز بلغ 13.3 مليار دولار بعد أن كان فائضاً في الربع السابق، فيما ارتفعت مدفوعات الدخل الأولي إلى مستوى قياسي.
ورغم أن عجز الحساب الجاري لا يؤثر على الدولار بالدرجة نفسها التي تؤثر بها المؤشرات الأخرى، فإن البيانات الأخيرة جاءت في وقت يصعد فيه الدولار إلى أعلى مستوياته في أكثر من عام، بدعم من الإقبال على الأصول الآمنة وتزايد الرهانات على تشديد السياسة النقدية الأميركية.
إشارات السوق تعكس مرحلة إعادة تسعير
في المحصلة، تبدو أسواق النفط أمام مرحلة إعادة تسعير أكثر حذراً، مع تراجع التوقعات المتعلقة بحدة الشح في المخزونات وضعف جانب من الطلب العالمي. وتأتي مراجعة جي بي مورغان لتضيف إلى سلسلة الإشارات التي توحي بأن الأسعار قد تبقى تحت ضغط نسبي خلال النصف الثاني من 2026، حتى لو شهدت الأسواق تقلبات قصيرة الأجل بفعل بيانات المخزون أو التطورات الجيوسياسية.
وبالنسبة للمراقبين، فإن القراءة الأهم ليست في سعر برنت في أسبوع معين، بل في التوازن الأشمل بين الإنتاج والمخزون والطلب. وإذا استمرت العوامل الحالية على حالها، فقد يكون الحديث في الأشهر المقبلة أقرب إلى إدارة الفائض منه إلى البحث عن موجة صعود قوية في أسعار الخام.