26-Jun-2026 6 دقائق قراءة

انخفاض حاد في مخزونات النفط الأميركية وتزايد معطيات سوق الطاقة العالمية

أظهرت بيانات أميركية تراجعاً أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الخام، بالتزامن مع ارتفاع مخزونات البنزين ونواتج التقطير، فيما تتشكل في أسواق الطاقة مؤشرات إضافية مرتبطة بتدفقات التصدير والطاقة في أوروبا وتركيا والعراق.

مخزونات النفط الأميركية تهبط بأكثر من التوقعات

سجلت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة انخفاضاً حاداً خلال الأسبوع المنتهي في 29 مايو، وفق البيانات الأسبوعية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وتراجع المخزون بمقدار 8 ملايين برميل ليصل إلى 433.7 مليون برميل، في إشارة إلى سحب أكبر من المتوقع من السوق.

وكانت تقديرات المحللين الذين شملهم استطلاع «رويترز» تشير إلى هبوط أقل، بنحو 4 ملايين برميل فقط، ما يجعل القراءة الأخيرة أكثر قوة من المتوقع ويعكس تغيراً واضحاً في التوازن بين العرض والطلب داخل السوق الأميركية.

وفي مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما، أحد أهم مواقع التخزين والتوزيع في الولايات المتحدة، انخفضت المخزونات أيضاً بمقدار 583 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

كما أوضحت الإدارة أن عمليات تكرير النفط الخام تراجعت بمقدار 90 ألف برميل يومياً، في حين ارتفعت معدلات تشغيل المصافي 0.2 نقطة مئوية لتصل إلى 94.7 في المائة.

ارتفاع البنزين ونواتج التقطير يغيّر صورة السوق

على الجانب الآخر، لم تكن حركة المشتقات النفطية متوافقة مع تراجع الخام. فقد ارتفعت مخزونات البنزين في الولايات المتحدة بمقدار 3.4 مليون برميل لتصل إلى 215 مليون برميل، في وقت كان السوق يتوقع انخفاضاً قدره 0.5 مليون برميل.

كما صعدت مخزونات نواتج التقطير، وتشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.5 مليون برميل لتصل إلى 102.3 مليون برميل، مقابل توقعات كانت تشير إلى تراجع بنحو 0.3 مليون برميل.

وتعني هذه التحركات أن سوق الطاقة الأميركية لا تتحرك في اتجاه واحد؛ فهبوط الخام قد يعكس قوة في السحب أو تقلصاً في الإمدادات، بينما يشير ارتفاع البنزين والديزل إلى أن جانب الطلب النهائي أو وتيرة التكرير والتوزيع لا يزال أكثر تبايناً.

كما أظهرت البيانات انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 249 ألف برميل يومياً، وهو عامل إضافي يفسر جزءاً من تراجع المخزونات المحلية.

العراق يبحث عن مسارات تصدير بديلة عبر تركيا وسوريا

خارج الولايات المتحدة، تتواصل التحولات في جغرافيا تجارة النفط. ففي العراق، قال مسؤولون بوزارة النفط إن البلاد تخطط لرفع صادرات الخام عبر خط أنابيب من حقولها الشمالية إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط إلى أكثر من ثلاثة أمثالها خلال نحو شهرين ونصف الشهر.

وذكرت الحكومة العراقية أنها تستهدف الوصول إلى 770 ألف برميل يومياً، في محاولة لتوسيع قدراتها التصديرية بعد أن تسببت الاضطرابات في حركة الناقلات بالخليج نتيجة الحرب مع إيران في تعطيل الطريق الرئيسي لتصدير النفط العراقي.

وتسعى بغداد أيضاً إلى إعادة تأهيل خطوط أنابيب شمالية، بينها مسار غير مستخدم منذ فترة طويلة يتيح الوصول إلى جيهان من دون المرور عبر إقليم كردستان شبه المستقل. ويشمل الهدف الحكومي الخام المنتج في الحقول الشمالية العراقية، إضافة إلى النفط المستخرج من الإقليم.

وفي موازاة ذلك، تبحث الحكومة العراقية عن منافذ أخرى عبر اتفاق مع سوريا لتصدير خامات البصرة الخفيف والبصرة المتوسط والبصرة الثقيل عبر ميناءي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط، كما تخطط وزارة النفط لفتح مكتب تمثيلي لإدارة عمليات التصدير عبر هذا المسار.

الاتحاد الأوروبي يرفع معايير الطاقة في مراكز البيانات

في أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستضع معايير جديدة لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات، في خطوة تعكس قلقاً متزايداً من الارتفاع السريع في استهلاك الكهرباء ضمن قطاع يشكل أساساً للنشاط الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتتوقع التقديرات أن تتضاعف سعة مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي أكثر من مرتين خلال السنوات المقبلة، لتصل إلى 28 غيغاواط بحلول عام 2030 مقارنة بـ12 غيغاواط في العام الماضي. ومع هذا التوسع، قد ترتفع حصة هذه المراكز من استهلاك الكهرباء في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 2.5 في المائة.

وقالت المفوضية إنها ستضع معايير أداء دنيا للمراكز الجديدة والقائمة، إلى جانب إجراء تقييم للاحتياجات بحلول عام 2027. كما تعمل على معيار للاستدامة يشمل عناصر مثل استخدام المياه وتوفير الطاقة النظيفة، على أن تلتزم المنشآت الكبيرة بنشر بياناتها ذات الصلة.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي النمو السريع في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إلى ضغط إضافي على الشبكات الكهربائية، وربما إلى إبطاء التحول الأوروبي نحو الطاقة النظيفة إذا استمر الاعتماد على محطات الوقود الأحفوري لتغطية الطلب المتنامي.

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تسهم مراكز البيانات بنحو 20 في المائة من نمو الطلب على الكهرباء في الاقتصادات المتقدمة بحلول عام 2030، ما يضع كفاءة البنية الرقمية في قلب السياسات الاقتصادية والطاقة على السواء.

وبالتوازي مع ذلك، تدرس بروكسل حزمة أوسع لتقوية القدرات المحلية في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتقليص الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى، بما في ذلك استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع إصدار تراخيص مشاريع الطاقة الجديدة ودعم إدارة شبكة الكهرباء الأوروبية.

تركيا تراهن على الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد الخارجي

وفي تركيا، أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده باتت تشكل «مركز ثقل» في قطاع الطاقة في ظل التوترات الجارية في المنطقة. وقال إن الأزمات الأخيرة، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والتوتر المرتبط بمضيق هرمز، أثبتت أن أمن الطاقة لم يعد قضية تنموية فقط، بل مسألة سيادة وأمن قومي.

وجاءت تصريحاته خلال مراسم افتتاح استثمارات في الطاقة المتجددة بالعاصمة أنقرة، حيث شدد على أن الحكومة التركية تركز على تنويع مصادر الإمداد وتعزيز الكفاءة وزيادة الاعتماد على الموارد المحلية والطاقة المتجددة بهدف تقليص التبعية للخارج.

وفي سياق أوسع، أشار إلى أن اضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز يسلطان الضوء على أهمية بناء منظومة طاقة أكثر مرونة، خاصة لدى الدول التي تعتمد على واردات الوقود أو تمر عبرها مسارات عبور استراتيجية.

وتعكس التطورات المتزامنة في الولايات المتحدة والعراق وأوروبا وتركيا صورة سوق عالمية تتداخل فيها الإمدادات التقليدية مع التحول الرقمي والضغوط المناخية. فبين انخفاض المخزونات الأميركية، ومساعي بغداد لفتح طرق تصدير جديدة، وقواعد الاستدامة الأوروبية لمراكز البيانات، تتقدم الطاقة من مجرد ملف خام إلى عنصر مركزي في إدارة الاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد العالمية.