02-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تونس تضع خطة لإحياء قطاع الفوسفات باستثمارات تتجاوز 900 مليون دولار

تسعى تونس إلى إعادة تشغيل قطاع الفوسفات عبر برنامج إصلاحي واستثماري واسع يتجاوز 900 مليون دولار، بهدف رفع الإنتاج وتعزيز الصادرات وتخفيف الاختناقات اللوجستية والمالية.

تتحرك تونس لإعادة بناء أحد أهم قطاعاتها التصديرية عبر خطة إنعاش واسعة لقطاع الفوسفات، تقوم على استثمارات تتجاوز 900 مليون دولار وبرنامج مرحلي يمتد لعدة سنوات. وتهدف الخطة إلى رفع الإنتاج تدريجيا واستعادة موقع الفوسفات كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية ومساهم أساسي في النشاط الصناعي والتشغيل.

وتستند الرؤية الجديدة إلى أهداف إنتاجية واضحة، إذ يُتوقع أن يصل الإنتاج إلى 4.5 ملايين طن في عام 2026، ثم إلى 5 ملايين طن في 2028، مع مواصلة الارتفاع خلال العقد المقبل. وتأتي هذه الأرقام ضمن مسار إصلاحي أوسع يجري تنسيقه مع رئاسة الحكومة، في محاولة لاستعادة الزخم في قطاع تأثر لسنوات بتراجع الاستثمار وتعطل سلاسل الإمداد.

قطاع إستراتيجي يواجه اختناقات متراكمة

رغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة للفوسفات في تونس، فإن القطاع ما يزال يواجه مجموعة من العوائق البنيوية التي حدت من قدرته على التعافي. وفي مقدمة هذه التحديات تأتي هشاشة البنية التحتية للسكك الحديدية، وهي حلقة أساسية في نقل المادة الخام من مناطق الإنتاج إلى وحدات المعالجة والموانئ.

كما تعاني المنظومة من نقص في المياه الصناعية، وهو عامل يضغط على العمليات الإنتاجية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد المائية. وإلى جانب ذلك، تواجه الشركات صعوبات متكررة في توفير بعض المواد الأساسية، مثل نترات الأمونيوم، ما ينعكس على انتظام الإنتاج ويزيد كلفة التشغيل.

وتفاقمت الضغوط أيضا بفعل تقادم المعدات، وارتفاع معدل الأعطال، والاحتجاجات البيئية، إلى جانب الحاجة إلى تطوير الكفاءات البشرية. هذه العناصر مجتمعة جعلت قدرة الشركات على الاستثمار محدودة، خصوصا في ظل أوضاع مالية ضيقة وتراكم مديونية أثرت على مرونتها التشغيلية.

المجمع الكيميائي التونسي في قلب سلسلة القيمة

يلعب المجمع الكيميائي التونسي دورا مركزيا في تحويل الفوسفات إلى منتجات أعلى قيمة مضافة، مثل حمض الفوسفوريك والأسمدة. وتمثل هذه الحلقة الصناعية جزءا أساسيا من أي خطة إصلاح، لأنها تربط بين الاستخراج والتصدير الصناعي وتفتح المجال أمام عائدات أكبر مقارنة ببيع الخام فقط.

لكن هذا الدور يواجه بدوره تحديات مشابهة، أبرزها ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة الحصول المنتظم على المواد الأولية. ويعني ذلك أن أي تحسن في أداء القطاع يجب أن يشمل سلسلة الإنتاج بأكملها، من الاستخراج والنقل إلى التحويل الصناعي والتصدير.

وتراهن الخطة الجديدة على تعزيز التكامل بين هذه الحلقات بهدف رفع الكفاءة وتقليص الهدر وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات التونسية في الأسواق الخارجية. كما أن تحسين أداء المجمع الكيميائي قد يساهم في زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي بدلا من الاكتفاء بعوائد التصدير الأولية.

تمويل عاجل وإصلاحات لوجستية

ضمن الإجراءات العاجلة المطروحة، برزت عدة مسارات مالية وتشغيلية، من بينها إعادة هيكلة الديون وفتح خطوط تمويل جديدة لتخفيف الضغط على الشركات العاملة في القطاع. كما تتضمن المقترحات تسريع وتيرة التصدير لضمان تدفقات نقدية أسرع، بما يساعد على تمويل عمليات الصيانة وشراء المواد الضرورية.

وفي الجانب اللوجستي، تركز الخطة على تحسين النقل السككي بوصفه خيارا أكثر استدامة وكفاءة، مع اللجوء إلى حلول مؤقتة مثل تعزيز النقل البري لتجاوز الاختناقات الحالية. ويُنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لربط مناطق الإنتاج بمراكز المعالجة والشحن في انتظار استكمال الإصلاحات الهيكلية الكبرى.

ومن بين المشاريع المطروحة أيضا مشروع Mdhilla 2، الذي يُفترض أن يرفع الطاقة التحويلية الصناعية ويعزز قدرة البلاد على الاستفادة من الفوسفات كمادة أولية في صناعات أكثر ربحية. ويعد هذا النوع من المشاريع مؤشرا على انتقال الخطة من مجرد إنقاذ تشغيلي إلى محاولة لإعادة بناء نموذج صناعي أكثر استقرارا.

المياه المعالجة وتثمين المنتجات الثانوية

لا تقتصر الخطة على رفع الإنتاج فقط، بل تشمل أيضا جوانب تتعلق بالاستدامة البيئية وإدارة الموارد. فمع تزايد أزمة المياه في تونس، بات تقليص استهلاك المياه الصناعية أولوية داخل القطاع، وذلك عبر الاعتماد على المياه المعالجة كلما أمكن ذلك.

كما تولي الاستراتيجية اهتماما متزايدا بتثمين الفوسفوجيبس، وهو منتج ثانوي ينتج عن صناعة الفوسفات. ويمثل التعامل معه بطريقة اقتصادية وبيئية أكثر فعالية فرصة لتقليص النفايات الصناعية وفتح مجالات جديدة للاستعمال في بعض التطبيقات الصناعية والبنائية، إذا ما توفرت الأطر التقنية والتنظيمية المناسبة.

ويعكس هذا التوجه إدراكا متناميا لدى صناع القرار بأن إنعاش قطاع الفوسفات لم يعد مرتبطا بالإنتاج وحده، بل يحتاج أيضا إلى مقاربة تقوم على الكفاءة البيئية، وتدوير الموارد، وخفض الكلفة، وتحسين البنية التحتية الداعمة للنشاط الصناعي.

رهان على استعادة الثقة وجذب التمويل

مع استمرار النقاشات حول مستقبل القطاع، برزت دعوات إلى توفير دعم مالي عاجل للشركات العاملة، وإعادة بناء الثقة مع البنوك والشركاء التجاريين. ويعد هذا البعد المالي حاسما، لأن أي خطة لتعافي الفوسفات ستظل محدودة إذا لم تجد ما يكفي من التمويل لتغطية النفقات الجارية والاستثمارات المطلوبة.

كما أن استعادة الثقة في هذا القطاع يمكن أن تفتح الباب أمام شراكات جديدة وتحسين شروط التمويل، خاصة إذا رافق ذلك تقدم ملموس في الإصلاحات التشغيلية واللوجستية. فالمستثمرون والمؤسسات المالية عادة ما يراقبون قدرة القطاع على تنفيذ خطط واقعية ومستقرة قبل ضخ الأموال.

وتأمل تونس أن تتحول هذه الخطة إلى نقطة انعطاف حقيقية تعيد للفوسفات مكانته التاريخية كمحرك للنمو الاقتصادي ومصدر مهم للنقد الأجنبي وفرص العمل. وإذا نجحت الإصلاحات المعلنة، فقد يستعيد القطاع دوره كأحد الأعمدة الصناعية التي يمكن أن تدعم توازنات الاقتصاد التونسي في السنوات المقبلة.