أثارت مناقشات تملك الأجانب للعقارات في مصر موجة واسعة من الجدل، بعدما خرجت تصريحات رسمية تؤكد أن هذا النوع من التملك لا يحمل، في تقدير الحكومة، تهديداً للاقتصاد أو لسوق الإسكان كما يتصور بعض المنتقدين.
وتقوم الحجة الأساسية للمؤيدين على أن بيع وحدة عقارية لشخص غير مصري لا يعني الاستحواذ على أصول الدولة، بل هو انتقال ملكية بين أفراد أو جهات خاصة، في سوق يدور أساساً حول وحدات يملكها المواطنون. ومن هذا المنطلق، يرى مسؤولون أن النقاش يجب أن يبتعد عن الشعارات وأن يُبنى على الأرقام وحجم الأثر الفعلي.
خلال مؤتمر صحفي، جرى التأكيد على أن الفوائد المحتملة لا تقتصر على البائع أو المشتري فقط، بل قد تمتد إلى الاقتصاد المحلي ككل عبر تنشيط التداول العقاري، وضخ سيولة جديدة، وفتح فرص مرتبطة بالخدمات والإنشاءات والتشغيل. ووفق هذا المنظور، فإن التملك الأجنبي يُعامل كأداة من أدوات تنشيط السوق، لا كتهديد لسيادة الدولة على أصولها.
ماذا تقول الحكومة عن أثر السوق العقاري؟
طرحت التصريحات الرسمية قراءة مختلفة للقلق الشعبي المتداول على منصات التواصل، إذ جرى التأكيد على أن مصر تمتلك قاعدة سكنية ضخمة، وأن عدد الوحدات غير المستغلة كبير بما يكفي لاستيعاب أي طلب إضافي يأتي من الخارج. وفي هذا السياق، أُشير إلى أرقام سابقة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تفيد بأن عدد الوحدات المغلقة كان يبلغ نحو 12 مليون وحدة في عام 2017، وهو رقم يعكس، بحسب الطرح الرسمي، وجود فائض نسبي في المعروض العقاري.
وتستند هذه القراءة إلى فكرة بسيطة: إذا كان السوق يضم عشرات الملايين من الوحدات، فإن حصة الأجانب المتوقعة، حتى مع توسعها، ستظل محدودة مقارنة بحجم المخزون الكلي. لذلك ترى الحكومة أن الحديث عن موجة قد تفضي إلى تغيير جذري في تركيبة الملكية العقارية يبدو مبالغاً فيه، ولا يعكس الواقع العددي للسوق.
كما جرى التشديد على أن الأجانب في هذه الحالات يشترون وحدات سكنية، وليسوا بصدد الاستحواذ على أراضٍ واسعة أو أصول سيادية. وهذا التفريق مهم في الخطاب الحكومي، لأنه يحدد طبيعة الصفقة العقارية ويضعها في إطار الاستثمار الفردي أو العائلي، وليس في إطار بيع ممتلكات عامة أو نقل ملكية موارد استراتيجية.
القطاع الخاص وسوق العمل في قلب النقاش
إلى جانب النقاش حول الملكية، برزت نقطة أخرى تتعلق بسوق العمل. فالمدافعون عن فتح المجال أمام المشترين الأجانب يقولون إن الحركة العقارية غالباً ما تخلق أثراً توسعياً، لأن المشتري الجديد يحتاج إلى صيانة وإدارة وخدمات، ما يعني فرصاً إضافية للمقاولين والعمال والفنيين ومقدمي الخدمات.
ووفق هذا الطرح، فإن السنوات الأخيرة لم تُظهر، في التصور الرسمي، خسائر مباشرة للعمالة نتيجة انتقال ملكية بعض الأصول أو الوحدات إلى مستثمرين غير محليين. بل إن الأثر المتوقع، في حالات كثيرة، يكون في الاتجاه المعاكس عبر زيادة النشاط الاقتصادي وتوسيع نطاق التشغيل. هذه النقطة تُستخدم للرد على التخوف من أن انفتاح السوق قد يضغط على العمالة المحلية أو يزيحها من موقعها.
وتظهر هنا مقاربة اقتصادية أوسع، تعتبر أن القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للنمو في كثير من الاقتصادات، وأن نجاح أي سوق لا يُقاس فقط بمن يملك الأصل، بل أيضاً بمستوى التشغيل والاستثمار والتدوير المالي الذي ينتج عنه. ومن هذا المنطلق، فإن السماح بتملك العقارات للأجانب يُقدَّم باعتباره جزءاً من سياسة جذب رؤوس الأموال لا مجرد قرار إداري معزول.
لماذا تُقارن مصر بتجارب دولية أخرى؟
في محاولة لتقريب الفكرة، جرى استحضار تجارب دولية، بينها الصين، بوصفها نموذجاً لاقتصاد ضخم يعتمد على مزيج بين دور الدولة والقطاع الخاص. والهدف من هذه المقارنة ليس التشابه الكامل في النماذج الاقتصادية، بل الإشارة إلى أن وجود دولة قوية لا يتعارض بالضرورة مع انخراط القطاع الخاص أو مع انفتاح محدود ومدروس على الملكية والاستثمار.
هذا النوع من المقارنات يهدف إلى إعادة صياغة السؤال: ليس هل يُسمح بالملكية أم لا؟ بل كيف تُدار هذه الملكية، وبأي ضوابط، ولصالح أي أهداف اقتصادية؟ فالمسألة، في التحليل الرسمي، ليست مبدئية بقدر ما هي تنظيمية، تتعلق بتوازنات السوق وبما إذا كانت القواعد الموضوعة تمنع المضاربات وتضمن عدم الإضرار بالمواطنين.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تملك الأجانب كوحدة ضمن حزمة أوسع من أدوات تنشيط السوق العقارية، مثل الترويج الخارجي، وزيادة الطلب من شرائح مختلفة، وربط العقار بالتصدير أو الاستثمار طويل الأجل. وبالتالي، فإن النقاش لا يقتصر على البيع نفسه، بل يمتد إلى كيفية تحويله إلى قيمة اقتصادية مضافة.
الرسالة الأساسية: الأرقام أهم من الانطباعات
الرسالة التي برزت من التصريحات الرسمية هي أن النقاش العقاري يجب أن يُدار عبر البيانات لا عبر الانطباعات العامة. فبدلاً من الاستجابة السريعة للقلق الذي تثيره التعليقات، تدعو الحكومة إلى قياس حجم الظاهرة بدقة: كم وحدة قد تُشترى فعلاً؟ وفي أي مناطق؟ وهل ستكون النسبة مؤثرة داخل سوق يضم ملايين الوحدات؟
هذا النهج يعكس توجهاً أوسع في إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة، حيث تُفضَّل القراءة الكمية على الخطاب العاطفي. وفي حالة العقار، تبدو هذه المقاربة أكثر إلحاحاً لأن السوق يرتبط مباشرة بثروة الأسر، وبمستوى الأسعار، وبثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
وفي المحصلة، يتم تقديم تملك الأجانب للعقارات في مصر باعتباره ملفاً اقتصادياً قابلاً للضبط، لا قضية سيادية تهدد السوق. وبين المخاوف الشعبية والحسابات الحكومية، يبقى الفيصل النهائي هو كيفية تطبيق القواعد، ومدى وضوحها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة المحلية.