تراجع واسع في البرّ الصيني
شهدت الأسواق الصينية جلسة متقلبة اليوم مع تعرض أسهم التكنولوجيا والرقائق لضغوط بيع قوية بعد موجة صعود أوصلت بعض المؤشرات إلى مستويات لافتة. وجاء الهبوط في وقت فضّل فيه المستثمرون جني الأرباح، خصوصاً في القطاعات التي حققت مكاسب كبيرة خلال الأشهر الماضية، بينما بقيت المعنويات حذرة وسط ترقب مسار الدعم الاقتصادي والسياسات المحلية.
وانخفض مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنحو 1.9 في المائة في منتصف الجلسة، متجهاً نحو أسوأ أداء يومي له منذ نحو أسبوع. كما تراجع «شنغهاي المركب» بنسبة 0.9 في المائة، في حين تكبد مؤشر «ستار 50» الثقيل بالتكنولوجيا خسارة أكبر بلغت 4.6 في المائة بعد أن كان قد لامس مستوى قياسياً في الجلسة السابقة.
الرقائق الإلكترونية تقود التراجع
الضغط الأكبر جاء من قطاع أشباه الموصلات، إذ هبط المؤشر القطاعي بنحو 6.8 في المائة، مبتعداً عن قمته التاريخية، ليسجل أكبر خسارة يومية له منذ أكتوبر 2025. ورغم هذا التراجع، يبقى الأداء التراكمي للقطاع قوياً للغاية، مع ارتفاع بلغ 112 في المائة منذ بداية العام، ما يعكس استمرار الرهان الاستثماري على صناعة الرقائق الصينية رغم التقلبات الحادة.
وانتهت موجة الصعود السريعة لسهم «ناورا» لصناعة الرقائق، الذي تراجع 10 في المائة، وهو الحد الأقصى المسموح به يومياً. كما انخفضت أسهم منافسين مثل «إس إم آي سي» و«غيغا ديفايس» و«هيوا هونغ سيميكونداكتورز» بنسب تراوحت بين 3.4 و9.2 في المائة، في إشارة إلى أن السوق دخلت مرحلة تصحيح بعد ارتفاعات متسارعة.
وقال محللون في «هواتاي فيوتشرز» إن أسهم التكنولوجيا تمر بحالة تباطؤ واضحة مع ارتفاع مستوى التذبذب في الأسواق، لكنهم رأوا أن هذا التراجع قد لا يكون طويل الأمد. واعتبروا أن الهبوط الحالي قد يوفر فرص دخول للمستثمرين ذوي الأفق المتوسط والطويل، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
هونغ كونغ تستفيد من عودة شهية المخاطرة
على الجانب الآخر، أظهرت بورصة هونغ كونغ أداءً أكثر تماسكاً، إذ ارتفع مؤشر هانغ سنغ 1.2 في المائة ليصل إلى 23154.41 نقطة. كما صعد مؤشر هانغ سنغ للتكنولوجيا 0.6 في المائة، مواصلاً التعافي من أدنى مستوى له خلال عام، مدعوماً بعودة الاهتمام بأسهم الإنترنت الكبرى.
وكانت أسهم «علي بابا» و«تينسنت» من أبرز الداعمين للمؤشر، بعد ارتفاعها 2.7 في المائة و2 في المائة على التوالي. ويعكس هذا الأداء تبايناً واضحاً بين السوقين في البرّ الرئيسي وهونغ كونغ، حيث تعرضت أسهم الرقائق الصينية لضغط جني الأرباح، بينما استفادت شركات المنصات الرقمية من تحسن نسبي في المعنويات.
السيارات والبنوك تصمد أمام الضعف العام
لم تكن جميع القطاعات في الصين على المسار نفسه، إذ خالفت أسهم السيارات والبنوك اتجاه السوق العام. وارتفعت أسهم السيارات نحو 1 في المائة، بينما زادت أسهم البنوك 0.3 في المائة، ما ساعد في تخفيف أثر الهبوط الحاد في التكنولوجيا على المؤشرات الرئيسية.
وفي السوق المحلية، برزت حركة استثنائية في سهم «تشاينا ريسورسز نيو إنرجي»، الذي قفز إلى ثلاثة أضعافه في أول يوم تداول بعد إدراجه، مستفيداً من إقبال قوي على أكبر اكتتاب عام في آسيا خلال 2026. ويؤكد هذا الأداء أن شهيّة المستثمرين لم تختفِ، لكنها باتت أكثر انتقائية بين القطاعات.
ترقب للدعم الاقتصادي من بكين
يركز المستثمرون في الصين على ما قد يصدر عن اجتماع المكتب السياسي هذا الشهر، لمعرفة ما إذا كانت القيادة ستعلن حزمة دعم إضافية لتعزيز التعافي الاقتصادي، خصوصاً بعد أداء غير متوازن شمل تحسناً في بعض القطاعات مقابل استمرار الضعف في الاستهلاك. ويرى محللون أن السياسة النقدية ما زالت مرشحة لأن تبقى تحت المراقبة، مع احتمالات محدودة لخفض الفائدة الأساسية في وقت لاحق من الشهر.
وتشير تقديرات «سيتي بنك» إلى أن الدعم الموجه للمستهلكين ما زال جزئياً فقط، وأن يوليو قد يكون أقرب توقيت محتمل لخفض في سعر الفائدة الأساسي إذا قررت السلطات التحرك. لكن عدم اليقين المرتبط بسرعة الانتعاش الاقتصادي يجعل المستثمرين يتعاملون بحذر مع أي إشارات جديدة.
اليوان يستقر قبل بيانات أميركية مهمة
في سوق العملات، استقر اليوان الصيني مقابل الدولار ضمن نطاق ضيق، في وقت يترقب فيه المتعاملون بيانات الوظائف الأميركية التي قد تعيد تشكيل توقعات أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وارتفع اليوان المحلي بنسبة طفيفة بلغت 0.02 في المائة إلى 6.7865 يوان للدولار، بعد تداولات تراوحت بين 6.7834 و6.7925.
كما سجل اليوان المتداول خارج البرّ الرئيسي 6.7895 يوان للدولار، مرتفعاً بنحو 0.07 في المائة في الجلسة الآسيوية. وفي المقابل، بقي مؤشر الدولار مستقراً تقريباً عند 101.37 نقطة، فيما كان المستثمرون ينتظرون أرقام الوظائف غير الزراعية الأميركية، التي يُتوقع أن تظهر إضافة 110 آلاف وظيفة في يونيو مع بقاء البطالة عند 4.3 في المائة.
قرارات بنك الشعب الصيني تضبط الإيقاع
قبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني السعر المرجعي لليوان عند 6.8088 للدولار، وهو مستوى أقل من ذروة سجلها في الجلسة السابقة، وأضعف أيضاً من تقديرات السوق بفارق ملحوظ. ويواصل البنك المركزي نهجه في تثبيت السعر المرجعي عند مستويات أقل من توقعات المتعاملين، في محاولة للحد من وتيرة قوة اليوان والحفاظ على استقرار السوق.
ويرى محللون في «إم يو إف جي» أن المشهد النقدي العالمي لا يزال يفرض قدراً من عدم اليقين على العملات الآسيوية، مع استمرار صعوبة قراءة الإطار المستقبلي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي. كما أشاروا إلى أن أي تحرك محلي من بكين لدعم الاقتصاد سيبقى عاملاً مؤثراً في مسار اليوان خلال الشهر الجاري.
صورة سوقية تعكس مرحلة إعادة تسعير
تعكس تحركات اليوم حالة إعادة تسعير أوسع في أسواق الأسهم الصينية، حيث تتحول التوقعات من موجة ارتفاع سريع إلى مرحلة توازن أدق بين الأرباح المحققة والأساسيات الاقتصادية. وفي حين يظل قطاع الرقائق في قلب الرهان الاستثماري على الاقتصاد الرقمي الصيني، فإن التذبذب الحاد يوضح أن السوق لا تتحرك في خط مستقيم، بل عبر موجات صعود وتصحيح متعاقبة.
أما هونغ كونغ، فبقيت أكثر قدرة على امتصاص الصدمة بفضل ثقل أسهم الإنترنت والتكنولوجيا في تركيبها، إضافة إلى عودة بعض المستثمرين لاقتناص أسهم النمو بعد تراجعات سابقة. وبين هذين المسارين، يواصل المستثمرون مراقبة السياسة النقدية الأميركية والدعم المتوقع من بكين، بوصفهما العاملين الأكثر تأثيراً على اتجاهات التداول في المرحلة المقبلة.