الدولار تحت ضغط تحسن الشهية للمخاطرة
تحرك الدولار الأميركي بالقرب من أدنى مستوياته في عشرة أيام خلال جلسة الثلاثاء، بعد أن تلقّت الأسواق دفعة معنوية من الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط. وأدى هذا التطور إلى تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، فيما استفادت العملات الأخرى من تحسن المزاج العام في الأسواق العالمية.
وبالتوازي مع ذلك، انخفضت أسعار النفط مع توقع المتعاملين أن يخفف الاتفاق من حدة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالإمدادات، وهو ما أضاف مزيداً من الضغط على العملة الأميركية. كما بقيت أنظار المستثمرين متجهة إلى أسبوع مزدحم باجتماعات البنوك المركزية، خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، وسط محاولة قراءة تأثير التهدئة الإقليمية على مسار التضخم والسياسة النقدية.
الين الياباني يستفيد من قرار رفع الفائدة
في آسيا، حافظ الين الياباني على استقراره النسبي بعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى لها منذ 31 عاماً، في خطوة كانت متوقعة إلى حد كبير في الأسواق. ورغم أن القرار أكد استمرار مسار التشديد النقدي، فإن تأثيره المباشر على العملة كان محدوداً، لأن المستثمرين كانوا قد سعّروا هذه الزيادة مسبقاً.
واستقر الين عند مستويات قريبة من 160 يناً للدولار، وهو نطاق حساس يثير قلق المتعاملين من احتمال تدخل السلطات اليابانية إذا استمرت الضغوط على العملة. ويترقب المستثمرون تصريحات مسؤولي البنك المركزي الياباني لمعرفة ما إذا كان التشديد سيستمر بوتيرة متدرجة أم أن البنك سيمنح الأسواق إشارات أوضح بشأن الرفع المقبل للفائدة.
ويرى محللون أن أي ميل نحو لهجة أكثر حذراً قد يزيد الضغوط على الين وسندات الحكومة اليابانية، بينما تبقى الأسهم اليابانية مدعومة نسبياً طالما لم يتحول التشديد النقدي إلى صدمة حادة للسيولة أو أرباح الشركات.
الأسواق توازن بين التهدئة الجيوسياسية والسياسة النقدية
لم يكن رد فعل الأسواق محصوراً في العملات فقط، إذ انخفضت أيضاً بعض رهانات الحماية من المخاطر مع عودة التفاؤل إلى التداولات. ومع ذلك، ما زال المستثمرون يتعاملون بحذر، لأن تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني لم تُعلن بالكامل بعد، كما أن قدرة التهدئة على الصمود لفترة طويلة لا تزال غير مؤكدة.
وينص الاتفاق المبدئي على تمديد وقف إطلاق النار الهش لمدة 60 يوماً إضافية، مع إعادة فتح مضيق هرمز الذي كانت إيران قد قيدت الملاحة فيه منذ بدء الحرب. لكن محللين يرون أن عودة تدفقات النفط والتجارة البحرية إلى طبيعتها لن تكون فورية، خاصة مع استمرار المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية وإعادة بناء المخزونات النفطية.
هذا التوازن بين تراجع المخاطر الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين يفسر، بحسب متعاملين، لماذا تراجعت موجة الاندفاع نحو المخاطرة دون أن تتحول إلى ثقة كاملة في استقرار الأسواق على المدى القريب.
أداء العملات الرئيسية الأخرى
سجل اليورو 1.159 دولار مقترباً من أعلى مستوى له في عشرة أيام عند 1.1622 دولار، بينما بلغ الجنيه الإسترليني 1.3413 دولار. أما مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، فاستقر عند 99.66 نقطة، لكنه بقي أعلى بنحو 2 في المائة منذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير.
وتعكس هذه التحركات أن المستثمرين ما زالوا يعيدون تسعير التوقعات وفقاً لتطورات الملف الجيوسياسي، إلى جانب القراءة المستمرة لبيانات التضخم والنمو والسياسة النقدية. وفي مثل هذه البيئة، تميل العملات الرئيسية إلى التحرك ضمن نطاقات محدودة مع كل إشارة جديدة من البنوك المركزية أو من مسار التهدئة في الشرق الأوسط.
بنك الاحتياطي الأسترالي تحت المجهر
في أستراليا، استقر الدولار الأسترالي عند 0.7061 دولار أميركي قبيل اجتماع بنك الاحتياطي الأسترالي. وتتوقع الأسواق أن يبقي البنك على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد ثلاث زيادات متتالية، على الرغم من بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً.
ويخشى المستثمرون من أن أي إشارة إلى تباطؤ الاقتصاد أو زيادة المخاطر على النمو قد تضغط على العملة الأسترالية، حتى لو لم يتغير سعر الفائدة فوراً. لذلك، فإن نبرة البنك المركزي وخطابه حول التضخم والطلب المحلي قد يكونان أكثر أهمية من القرار نفسه بالنسبة للأسواق.
الأسهم اليابانية ترتفع والسندات تتراجع
على صعيد الأسهم، سجّل مؤشر نيكي الياباني مستوى قياسياً جديداً خلال الجلسة، مدعوماً بقرار بنك اليابان وبتفاؤل عام تجاه الأصول الخطرة. وارتفع المؤشر في وقت مبكر بما يصل إلى 1 في المائة قبل أن يقلص مكاسبه، في حين تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بعد صعود أولي.
وجاءت الحركة الصاعدة في نيكي مدفوعة أساساً بعدد من أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقائق، إلى جانب شركات مرتبطة بمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. أما السندات الحكومية اليابانية، فقد تعرضت لضغوط بعد القرار، مع ارتفاع العوائد وانخفاض الأسعار، في إشارة إلى أن الأسواق تتوقع مساراً تدريجياً لكنه مستمر من التشديد النقدي.
وبينما ظل العائد على السندات اليابانية لأجل 10 سنوات في مسار صعودي، بقيت التحركات في الآجال الأقصر والأطول أكثر هدوءاً، ما يعكس أن الأسواق لم تدخل بعد في إعادة تسعير شاملة للمنحنى، وإنما تتعامل مع رفع الفائدة بوصفه خطوة متوقعة وليست مفاجئة.
ما الذي يراقبه المستثمرون لاحقاً؟
تركز الأسواق حالياً على ثلاثة محاور رئيسية: مدى صلابة الاتفاق الأميركي - الإيراني، وإشارات البنوك المركزية الكبرى، واتجاهات النفط والعملات المرتبطة بالنمو العالمي. وإذا استمر التهدئة في الشرق الأوسط، فقد تتراجع علاوة المخاطر التي دعمت الدولار سابقاً، لكن ذلك لن يلغي احتمال عودة التقلبات إذا تعثرت التسوية أو ظهرت إشارات جديدة على اضطراب الإمدادات.
كما أن قرارات الفائدة في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان قد تعيد رسم مسار الدولار في الأيام المقبلة، خصوصاً إذا تبين أن التضخم لم يتراجع بالسرعة الكافية، أو أن البنوك المركزية ما زالت ترى حاجة إلى إبقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول.
وبحسب محللين في مؤسسات مالية كبرى، فإن الأسواق استجابت بسرعة لخفض احتمالات التصعيد، لكنها لم تدخل بعد في مرحلة الاطمئنان الكامل. لذلك تبقى التداولات مرشحة لمزيد من التذبذب، مع ترقب أي تطور سياسي أو نقدي قد يغير اتجاه العملات الرئيسية والسلع والطاقة.