03-Jul-2026 5 دقائق قراءة

السعودية تشدد قواعد الإفصاح عن الذهب والمجوهرات عند الدخول والمغادرة

أقرت السعودية لائحة جديدة تلزم المسافرين بالإفصاح الجمركي عن الذهب والمعادن الثمينة والمجوهرات التي تتجاوز قيمتها 40 ألف ريال، ضمن إجراءات أشمل لتعزيز الرقابة على التحويلات ومكافحة غسل الأموال.

دخلت في السعودية لائحة جديدة حيز التطبيق لتشديد الرقابة على إدخال وإخراج الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة والمجوهرات، في خطوة تعكس اتجاهاً تنظيمياً أوسع نحو رفع مستوى الامتثال المالي وتعزيز مكافحة غسل الأموال والأنشطة التجارية غير المصرح بها.

وبموجب الضوابط الجديدة، يصبح الإقرار الجمركي إلزامياً على المسافرين عند دخول المملكة أو مغادرتها إذا كانت القيمة الإجمالية لما بحوزتهم من سبائك أو معادن ثمينة أو أحجار كريمة أو مجوهرات تتجاوز 40 ألف ريال. ويُشترط أن يكون الإفصاح كتابياً، مع إرفاق فاتورة الشراء أو ما يثبت القيمة، بما يسمح للجهات المختصة بالتحقق من طبيعة المنقولات ومصدرها.

وتتعامل اللائحة مع هذه المواد على أساس القيمة والغاية من النقل، لا على أساس الملكية الشخصية فقط. فإذا ثبت أن المضبوطات تحمل طابعاً تجارياً، تُطبق عليها أحكام نظام الجمارك الموحد، وهو ما يضعها ضمن مسار رقابي أكثر صرامة من مجرد الإفصاح العابر للمسافرين. هذا التفريق مهم لأنه يحد من محاولات تمرير سلع ذات قيمة عالية على أنها مقتنيات شخصية.

صلاحيات أوسع للضبط والتحفظ

منحت القواعد الجديدة هيئة الزكاة والضريبة والجمارك صلاحية ضبط الأموال أو المعادن التي لا يتم التصريح عنها، أو التي تثير شبهة في طبيعتها أو قيمتها، لمدة تصل إلى 72 ساعة. وتتيح هذه المهلة للجهة الرقابية جمع المعلومات الأولية ومراجعة المستندات واتخاذ القرار المناسب بشأن الإحالة أو الإفراج أو الاستكمال.

وفي الحالات التي ترتبط بشبهات غسل أموال، يتم رفع الملفات إلى الجهات المختصة لمتابعتها وفق الأطر النظامية المعمول بها. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل اعتماد كثير من الأنشطة المالية غير النظامية على النقل المادي للأصول عالية القيمة، مثل الذهب والمجوهرات، باعتبارها أدوات سهلة النقل وذات سيولة مرتفعة.

كما حددت اللائحة عقوبات مالية تتراوح بين 10% و25% من قيمة المضبوطات في المخالفة الأولى، وترتفع إلى 50% في حال التكرار. أما الحالات التي تظهر عليها دلائل جنائية، فيجري التعامل معها عبر الإحالة إلى المسار الجنائي المناسب، وهو ما يعكس نهجاً متدرجاً يجمع بين الغرامة والردع والتحقيق.

مخاطر غسل الأموال تحت الرقابة

لم تقتصر الإجراءات على المسافرين والمنقولات، بل امتدت إلى المؤسسات المالية والمهن والأعمال غير المالية، التي باتت مطالبة بتقييم دوري لمخاطر غسل الأموال. ويشمل هذا التقييم العملاء والمنتجات والدول وقنوات التعامل، بما ينسجم مع منهج رقابي يقوم على تحديد المخاطر قبل وقوع المخالفة بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد حدوثها.

وتفرض اللائحة مستوى أعلى من العناية الواجبة بالعملاء، يبدأ من التحقق من الهوية والمالك المستفيد قبل إنشاء العلاقة، ويشمل المتابعة المستمرة أثناء استمرار التعامل. كما حددت القواعد المالك المستفيد بأنه الشخص الذي يملك أو يسيطر على 25% أو أكثر من الكيان، وهي نسبة مرجعية مهمة في تحديد من يقف فعلياً خلف الشركات أو الهياكل القانونية.

وفي حال تعذر التحقق من هوية العميل أو المستفيد الحقيقي، تمنح اللائحة المؤسسات حق رفض تنفيذ أي عملية. هذا البند يرسخ مبدأ أن الامتثال لم يعد إجراءً شكلياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار العلاقة المالية أو التجارية، خصوصاً في القطاعات المعرضة لمخاطر أعلى.

التحويلات المالية وتدفق البيانات

شددت اللائحة كذلك على متطلبات التحويلات المالية، إذ ألزمت بتوفير بيانات كاملة عن المرسل والمستفيد، ومنعت أي تحويل يفتقر إلى المعلومات الأساسية اللازمة لتتبعه. ويهدف ذلك إلى تقليل مساحة العمليات المجهولة التي قد تستغل في التستر أو تمويل أنشطة غير مشروعة أو إخفاء وجهة الأموال.

كما نصت القواعد على الإبلاغ الفوري عن العمليات المشتبه بها، مع توفير حماية قانونية للمبلغين. ويُنظر إلى هذه الحماية باعتبارها عنصراً محورياً في بناء بيئة امتثال فعالة، لأن الكشف المبكر عن المخاطر غالباً ما يعتمد على أفراد داخل المنظومة المالية أو التجارية لديهم القدرة على رصد الأنماط غير الطبيعية.

ومنحت اللائحة وحدة التحريات المالية صلاحيات موسعة، تشمل تحليل البلاغات وطلب المعلومات ووقف العمليات المشتبه بها لمدة تصل إلى سبعة أيام عمل. وتمثل هذه الصلاحيات أداة إضافية لتعزيز الرقابة الاستباقية، خاصة في الملفات التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة قبل انتقال الأموال أو تهريبها أو إخفاء أثرها.

أثر تنظيمي على التجارة والامتثال

تدل هذه التحديثات على اتساع نطاق التنظيم في السوق السعودية ليشمل ليس فقط القطاع المالي التقليدي، بل أيضاً حركة الأصول الثمينة عبر الحدود، والمهن غير المالية المرتبطة بها. وفي بيئة اقتصادية تعتمد على الثقة والشفافية، تصبح قواعد الإفصاح أحد أهم أدوات حماية النظام المالي والحد من المعاملات غير الموثقة.

كما أن الجمع بين الإقرار الجمركي، وتوثيق القيمة، والعناية الواجبة، وتتبع المستفيد الحقيقي، يوفر طبقات متعددة من الرقابة، ما يقلل فرص إساءة استخدام الذهب والمجوهرات كوسيلة لإخفاء الأموال أو تمريرها خارج القنوات النظامية. ويعكس ذلك توجهاً متسقاً مع المعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وبالنسبة للمسافرين والتجار والمؤسسات الخاضعة للرقابة، فإن الرسالة الأساسية واضحة: الامتثال لم يعد خياراً ثانوياً، بل شرطاً تشغيلياً ينبغي دمجه في الإجراءات اليومية، سواء عند عبور الحدود أو أثناء تنفيذ التحويلات أو عند بناء العلاقات مع العملاء والشركاء.

المحصلة أن اللائحة الجديدة لا تكتفي بضبط حركة الذهب والمجوهرات، بل تضع إطاراً أوسع لإدارة المخاطر المالية، وتؤسس لرقابة أكثر دقة على الأصول عالية القيمة، بما يدعم شفافية السوق ويحمي النظام الاقتصادي من الاستخدامات غير المشروعة.