اتسع العجز التجاري في المغرب إلى نحو 17 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، مع استمرار نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، وفق ما أظهره التقرير الشهري للمكتب المغربي المعني بتتبع المبادلات الخارجية.
وتعكس البيانات الجديدة ضغوطا متزايدة على الميزان التجاري، في وقت استفادت فيه بعض القطاعات التصديرية من الأداء القوي للصناعة التحويلية والخدمات، بينما ظلت فاتورة الاستيراد مرتفعة بفعل الطاقة والمواد الغذائية الأساسية.
الواردات تتقدم بسرعة أكبر من الصادرات
بحسب الأرقام الواردة في التقرير، ارتفعت الواردات بنسبة 11.8% على أساس سنوي لتصل إلى نحو 39.6 مليار دولار. وفي المقابل، زادت الصادرات بنسبة 5.8% فقط لتبلغ حوالي 22.6 مليار دولار، وهو فارق كاف لتوسيع العجز التجاري خلال الفترة محل القياس.
هذا التباين بين نمو الاستيراد وتطور الصادرات يعكس تحديا هيكليا يواجهه الاقتصاد المغربي، إذ يعتمد جزء مهم من النشاط الصناعي والاستهلاكي على المواد والطاقة والسلع الوسيطة القادمة من الخارج.
فاتورة الطاقة تواصل الضغط
أحد أبرز العوامل وراء اتساع العجز تمثل في ارتفاع واردات الطاقة بنسبة 20% لتصل إلى نحو 5.9 مليار دولار. ويأتي ذلك في سياق دولي متقلب شهد تأثيرات مباشرة للتوترات في منطقة الشرق الأوسط على أسعار الوقود، ما رفع كلفة التوريد على المستوردين المغاربة.
وتعد الطاقة من أكثر بنود الميزان التجاري حساسية، لأن أي صعود في أسعار النفط أو مشتقاته ينعكس سريعا على كلفة النقل والإنتاج والأسعار المحلية، ما يضاعف الضغط على الحسابات الخارجية.
القمح يرتفع قبل قرار التعليق المؤقت للاستيراد
كما سجلت واردات القمح نموا بنسبة 8.6% لتقترب من 0.9 مليار دولار. وجاء ذلك قبل قرار حكومي بتعليق الاستيراد خلال شهري يونيو ويوليو بهدف حماية الإنتاج المحلي ودعم المخزون الداخلي.
ويؤشر هذا التطور إلى استمرار اعتماد السوق المغربية على الواردات في تأمين جانب مهم من احتياجاتها الغذائية، خصوصا في المحاصيل المرتبطة بالاستهلاك اليومي والأمن الغذائي.
السيارات تحافظ على موقعها كأقوى قطاع تصديري
في المقابل، واصل قطاع السيارات ترسيخ مكانته كأهم رافعة للصادرات المغربية، مع تسجيل مبيعات خارجية بلغت 8.2 مليار دولار ونمو نسبته 16% خلال الفترة نفسها. ويشمل هذا القطاع مصانع مرتبطة بشركتي ستيلانتيس ورينو، ما يعزز موقع المغرب ضمن سلاسل التوريد الصناعية الإقليمية والدولية.
ويظهر الأداء القوي للسيارات أن التصنيع المرتبط بالتصدير لا يزال من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق قيمة مضافة وتقليص أثر التذبذب في الأسواق التقليدية.
تراجع صادرات الفوسفات رغم ثقل القطاع
على الجانب الآخر، انخفضت صادرات الفوسفات ومشتقاته، بما في ذلك الأسمدة، بنسبة 11.2% لتصل إلى 3.5 مليار دولار. ويأتي ذلك رغم امتلاك المغرب أكبر احتياطي معروف عالميا من هذا المعدن، ما يبرز أن حجم الموارد لا يترجم دائما إلى أداء تصديري مرتفع في ظل تقلبات الإنتاج وسلاسل الإمداد.
وكانت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط قد أعلنت الشهر الماضي عزمها العودة إلى التشغيل الكامل بعد خفض الإنتاج بنسبة 30% نتيجة اضطرابات طالت سلاسل التوريد المرتبطة بالتوترات الإقليمية في الشرق الأوسط. ويعني ذلك أن القطاع ما زال يتأثر بعوامل خارجية تتجاوز الطلب العالمي المباشر.
التحويلات والسياحة والاستثمار تدعم الحسابات الخارجية
ورغم اتساع العجز التجاري، ظهرت مؤشرات داعمة في الحسابات الخارجية للمغرب. فقد قفزت تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج بنسبة كبيرة بلغت 808% لتصل إلى 5.4 مليار دولار، في تطور لافت يعزز تدفقات النقد الأجنبي إلى البلاد.
كما ارتفعت عائدات السياحة بنسبة 14.3% لتبلغ حوالي 5.8 مليار دولار، وهو أداء يساعد على تعويض جزء من فاتورة الاستيراد المرتفعة، خاصة في القطاعات الخدمية المرتبطة بالنقل والضيافة والأنشطة السياحية.
وفي السياق نفسه، سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة زيادة بنسبة 20% لتصل إلى 3.2 مليار دولار، ما يشير إلى استمرار اهتمام رؤوس الأموال الخارجية بالسوق المغربية، سواء في الصناعة أو الخدمات أو البنية التحتية.
ما الذي تعنيه هذه الأرقام للاقتصاد المغربي؟
تكشف البيانات أن الاقتصاد المغربي يحقق نموا في بعض مصادر العملة الصعبة، لكنه لا يزال يواجه فجوة واضحة بين الواردات والصادرات. فارتفاع الطلب على الطاقة والقمح يضغط على الميزان التجاري، بينما يمنح أداء السيارات والسياحة والتحويلات نوعا من التوازن النسبي.
وفي المدى القريب، ستظل قدرة المغرب على تقليص العجز التجاري مرتبطة بعدة عوامل، أبرزها أسعار الطاقة العالمية، وتطور إنتاج الحبوب المحلي، واستمرار نمو الصناعات التصديرية، إلى جانب استقرار التدفقات المالية من الخارج.
وبينما تساعد بعض القطاعات على تعزيز الإيرادات الخارجية، فإن تقلبات الاستيراد تبقى العامل الأكثر تأثيرا في مسار العجز، ما يجعل ضبط فاتورة الواردات وتوسيع قاعدة التصدير من أولويات السياسة الاقتصادية في المرحلة المقبلة.