الذهب يستفيد من ضعف بيانات التوظيف
واصل الذهب مكاسبه في تعاملات الخميس بعدما عززت بيانات التوظيف الأميركية الأضعف من المتوقع الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى مسار أكثر حذراً في السياسة النقدية. وجاء الصعود أيضاً في بيئة شهدت تراجعاً في أسعار النفط، ما خفف بعض الضغوط المرتبطة بالتضخم ورفع جاذبية الأصول الدفاعية.
وارتفع المعدن الأصفر في السوق الفورية بنحو 0.7 في المائة ليصل إلى 4057.92 دولار للأوقية، بعدما لامس في الجلسة السابقة أعلى مستوى له منذ أواخر يونيو. وفي المقابل، تراجعت العقود الآجلة الأميركية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.3 في المائة إلى 4070.10 دولار للأوقية، في إشارة إلى استمرار تباين التحركات بين السوق الفورية والعقود الآجلة.
وكان الذهب قد اقترب في جلسة الأربعاء من أدنى مستوى له منذ أكثر من سبعة أشهر، قبل أن يعكس اتجاهه ويغلق على ارتفاع، بعد صدور بيانات القطاع الخاص التي جاءت أقل من تقديرات السوق. هذا التذبذب يعكس حساسية الذهب الشديدة تجاه أي إشارات تخص التوظيف والفائدة والدولار.
الأسواق تراقب تقرير الوظائف غير الزراعية
يركز المستثمرون الآن على تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة لشهر يونيو، بوصفه المؤشر الأهم على قوة سوق العمل الأميركية. ويُنظر إلى البيانات المقبلة على أنها قد تحسم توقعات الأسواق بشأن توقيت أي تحرك محتمل للفيدرالي، خصوصاً بعد سلسلة من الإشارات المتضاربة حول التضخم والنمو.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن قوة تقرير الوظائف ستكون العامل الأكثر تأثيراً في تحركات الذهب على المدى القصير. فكلما جاءت البيانات أضعف، زادت احتمالات تباطؤ الفيدرالي في تشديد السياسة النقدية، وهو ما يدعم عادة أسعار المعدن النفيس.
وقال متعاملون في السوق إن الذهب يظل مدعوماً في الفترات التي تتراجع فيها شهية المستثمرين للمخاطرة، أو عندما تتزايد الشكوك بشأن اتجاه الفائدة. كما أن محاولات الضغط على الأسعار نزولاً تبدو محدودة حتى الآن، مع ظهور طلب شرائي عند مستويات متقاربة من القيعان الأخيرة.
الوظائف الأميركية وتوقعات الفائدة
أظهر تقرير التوظيف الوطني الصادر عن مؤسسة ADP أن القطاع الخاص أضاف 98 ألف وظيفة في يونيو، مقارنة بـ122 ألف وظيفة في مايو، فيما كانت توقعات الاقتصاديين تشير إلى زيادة أكبر عند 118 ألف وظيفة. ورغم أن الرقم لا يشير إلى ضعف حاد في سوق العمل، فإنه جاء كافياً لتعزيز فكرة أن الاقتصاد قد يبدأ في إظهار بعض التباطؤ.
وفي السياق نفسه، أكد أحد مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن مخاطر التضخم تراجعت في الأسابيع الأخيرة، لكنه شدد على التزام البنك المركزي بهدفه البالغ 2 في المائة. هذا الموقف يترك الباب مفتوحاً أمام الأسواق لإعادة تسعير الاحتمالات المتعلقة بخطوة الفائدة المقبلة، خاصة مع استمرار حساسية البيانات الاقتصادية لأي تغير في توقعات التشديد النقدي.
وتسعر الأسواق حالياً احتمالات متزايدة لرفع الفائدة في سبتمبر، وإن كانت تلك التقديرات قابلة للتبدل سريعاً بحسب نتائج البيانات الجديدة. وبالنسبة للذهب، فإن أي إشارة إلى تباطؤ في رفع الفائدة أو انتهاء دورة التشديد تكون عادة عاملاً إيجابياً، لأنه أصل لا يدر عائداً، ويصبح أكثر جاذبية عندما تتراجع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.
هبوط النفط يخفف ضغط التضخم
جاء دعم إضافي للذهب من انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في أربعة أشهر. فقد تراجعت الأسعار بعد تقارير عن تقدم نسبي في المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استمرار عبور مزيد من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ما خفف المخاوف المتعلقة بتعطل الإمدادات.
وبحلول التداولات الصباحية، هبط خام برنت إلى نحو 70.80 دولار للبرميل، بينما نزل خام غرب تكساس الوسيط إلى 67.74 دولار. هذا التراجع المتزامن في الطاقة يخفف عادة من توقعات التضخم المستقبلية، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
ويرى محللون أن العلاقة بين النفط والذهب ما زالت مهمة في قراءة الأسواق، لأن صعود الطاقة يرفع المخاطر التضخمية، بينما يعطي هبوطها متنفساً للسياسة النقدية. وفي هذه البيئة، يصبح الذهب أحد المستفيدين المحتملين، خاصة إذا اعتُبر أن الفيدرالي قد يجد مساحة أكبر للحفاظ على موقف أقل تشدداً.
المعادن النفيسة الأخرى تتحرك في الاتجاه نفسه
لم تكن مكاسب الذهب منفردة، إذ شهدت المعادن النفيسة الأخرى ارتفاعات ملحوظة. فقد صعدت الفضة الفورية بنحو 1.6 في المائة، وارتفع البلاتين 2 في المائة، كما زاد البلاديوم 1.4 في المائة. ويعكس هذا الأداء تحسناً عاماً في شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالتحوط والطلب الصناعي معاً.
ومع ذلك، يبقى الذهب في مركز الاهتمام الأكبر لأنه الأكثر حساسية لتحولات السياسة النقدية الأميركية والدولار والعوائد الحقيقية. وفي العادة، أي هبوط في عوائد السندات الأميركية أو تراجع في العملة الأميركية يمنح الذهب دعماً إضافياً، بينما يؤدي ارتفاع العوائد إلى ضغط مباشر على الأسعار.
قراءة السوق للفترة المقبلة
المشهد الحالي يوحي بأن أسواق السلع والمعادن تتحرك وفق مزيج من العوامل المتداخلة: بيانات توظيف أضعف من المتوقع، تراجع في أسعار الطاقة، وترقب شديد لقرارات الفيدرالي. هذه العناصر مجتمعة تجعل تداولات الذهب مرهونة أكثر من المعتاد بنتائج البيانات اليومية، لا بالاتجاهات الطويلة فقط.
وفي حال جاءت بيانات الوظائف الأميركية أقل من التقديرات، فقد يواصل الذهب الاستفادة من موجة شراء جديدة مدفوعة بتراجع العوائد وتخفف توقعات الفائدة. أما إذا أظهرت الأرقام قوة مفاجئة، فقد يتعرض المعدن لضغوط تصحيحية سريعة نتيجة عودة الرهانات على تشديد نقدي أطول أمداً.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى الذهب من أكثر الأصول متابعة في الأسواق العالمية حالياً، ليس فقط كملاذ تقليدي، بل أيضاً كمؤشر حساس على المزاج الاقتصادي ومستوى الثقة في مسار السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.