تراجع حاد في النفط بعد تهدئة المخاطر الجيوسياسية
سجلت أسعار النفط هبوطاً سريعاً في التعاملات الآسيوية، لتفقد أكثر من 3 في المائة مع تراجع المخاوف المرتبطة بتعطل الإمدادات من الشرق الأوسط. وجاء هذا التحرك بعد توقيع مذكرة تفاهم أميركية إيرانية تضمنت بنوداً تهدف إلى تهدئة التوتر وفتح مسار جديد للحركة في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الخام العالمية.
وبحلول الساعة 6:25 صباحاً بتوقيت غرينيتش، انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 74.18 دولار للبرميل، متراجعاً بنسبة 3.4 في المائة. كما هبط خام برنت، المعيار المرجعي للسوق العالمية، إلى 77.15 دولار للبرميل، بانخفاض 3.02 في المائة. وبهذا، محا السوق جانباً كبيراً من مكاسب جلسة سابقة كانت قد جاءت على خلفية توترات سياسية متصاعدة واحتمالات عودة التصعيد العسكري.
ويعكس هذا التحول السريع طريقة تسعير الأسواق لمخاطر الطاقة: فكلما انخفض احتمال اضطراب الإمدادات، تراجعت علاوة المخاطر التي تضاف إلى أسعار النفط. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون التغيير مرتبطاً بالعرض والطلب الفوريين فقط، بل أيضاً بتوقعات المتعاملين بشأن مسار الشحن والتأمين والتخزين في الأسابيع المقبلة.
ماذا يتضمن الاتفاق ولماذا يتابعه المستثمرون؟
ينص الاتفاق المؤلف من 14 بنداً على فترة تفاوض تمتد 60 يوماً، تتعهد خلالها طهران بالسماح بمرور مجاني عبر مضيق هرمز، على أن تُستعاد الطاقة التشغيلية الكاملة للمضيق خلال 30 يوماً. ورغم أن النص يترك ملفات شائكة، وفي مقدمتها الملف النووي، إلى مراحل لاحقة، فإنه يفرض على واشنطن وشركائها إعداد خطة تمويل بقيمة 300 مليار دولار لدعم التعافي الإيراني.
بالنسبة للمستثمرين، كان الأثر المباشر واضحاً: عودة تدريجية محتملة للخام الإيراني إلى السوق، واحتمال انخفاض تكلفة المخاطر المرتبطة بالنقل البحري. غير أن التقديرات لا تزال متباينة بشأن سرعة عودة الإمدادات فعلياً، إذ يرى بعض المحللين أن الأسواق بالغت في التسعير المسبق لسيناريو التعافي السريع.
ويحذر متعاملون في قطاع الشحن من أن الثقة في الاتفاق لن تتكون بين ليلة وضحاها. فشركات النقل البحري ومالكو الناقلات يميلون عادة إلى التريث قبل العودة إلى مناطق شهدت توتراً، حتى إذا كانت المؤشرات السياسية إيجابية. ولهذا قد تبقى الاستجابة العملية في الإمدادات أبطأ من رد فعل الأسعار في البورصات.
الطاقة والتحول في توقعات المعروض العالمي
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نجاح تنفيذ الاتفاق قد يبدل صورة السوق خلال العامين المقبلين، من حالة شح نسبي إلى فائض واضح في المعروض. وتوقعت الوكالة أن يتجاوز العرض الطلب بنحو 5.05 مليون برميل يومياً في العام المقبل، مع استعادة مزيد من نفط الشرق الأوسط حضوره في الأسواق.
هذه القراءة مهمة لأنها تعني أن اتجاه الأسعار لن يتحدد فقط بما يحدث في الأيام المقبلة، بل أيضاً بما إذا كانت الإمدادات الإضافية ستصل بالفعل إلى الموانئ والمصافي حول العالم. وإذا تحقق ذلك، فقد يتعرض السوق لضغط هبوطي أطول أمداً، خاصة إذا تزامن مع تباطؤ اقتصادي عالمي أو ضعف في الطلب الصناعي.
وفي المقابل، لا تزال هناك عوامل موازنة، من بينها محدودية القدرة الفعلية لبعض المنتجين على رفع الصادرات بسرعة، إضافة إلى استمرار الضبابية السياسية. ولذلك، فإن تراجع الأسعار الحالي لا يعني بالضرورة نهاية التقلبات، بل ربما بداية مرحلة جديدة من إعادة التوازن بين مخاطر الإمداد ومخاوف الفائض.
الاحتياطي الفيدرالي يزيد الضغوط على الخام
لم يكن النفط وحده تحت تأثير الأخبار القادمة من الشرق الأوسط. فقد ساهمت لهجة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة في الضغط على أسواق السلع أيضاً، بعدما ارتفعت رهانات المستثمرين على إمكانية رفع أسعار الفائدة مجدداً هذا العام. ويفسر ذلك بأن الفائدة الأعلى قد تبطئ النشاط الاقتصادي، ما ينعكس على الطلب العالمي على الطاقة.
وبالنسبة لأسواق النفط، فإن هذا العامل يضيف بعداً آخر إلى الهبوط. فحتى مع تراجع المخاطر الجيوسياسية، فإن تشدد السياسة النقدية قد يحد من نمو الاستهلاك في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. ومع ضعف التوقعات الخاصة بالنمو، تميل المراكز الاستثمارية إلى تقليص تعرضها للسلع الدورية، وفي مقدمتها الخام.
كما أن عودة الحديث عن التضخم والفائدة تعني أن المستثمرين باتوا يوازنون بين أثرين متعاكسين: الأول هابط على النفط بسبب تحسن الإمدادات، والثاني داعم للأسعار عبر احتمالات استمرار التضخم لفترة أطول. وفي مثل هذا المشهد، يصبح مسار الخام أكثر ارتباطاً بالبيانات الاقتصادية والقرارات النقدية من ارتباطه بعامل واحد منفرد.
انعكاسات الاتفاق على الذهب والأسهم والعملات
التحول في المزاج الاستثماري لم يقتصر على سوق الطاقة. فالذهب، الذي يستفيد عادة من فترات القلق الجيوسياسي، واجه ضغوطاً أولية مع انحسار الطلب على الملاذات الآمنة، قبل أن يعاود الارتفاع بدعم من عمليات تغطية مراكز البيع وتبدل العوائد الحقيقية. وارتفع المعدن النفيس في السوق الفورية بنسبة 1 في المائة إلى 4298.48 دولار للأونصة، بينما تراجعت العقود الآجلة الأميركية تسليم أغسطس بنسبة 1.4 في المائة إلى 4318.10 دولار للأونصة.
أما الأسهم، فقد بدت أكثر استفادة من تحسن الشهية للمخاطرة. وفي آسيا، ارتفع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 2 في المائة، متجاوزاً مستوى 9 آلاف نقطة للمرة الأولى في تاريخه. وقادت شركات أشباه الموصلات الصعود بقوة، مستفيدة من تفاؤل واسع بشأن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي. وصعدت أسهم سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس إلى مستويات قياسية جديدة، في مؤشر على أن الأسواق لم تعد تتابع الجغرافيا السياسية فقط، بل أيضاً دورة الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة.
وفي أسواق العملات، بقي الدولار مدعوماً بتوقعات الفائدة المرتفعة، بينما تعرض الين لضغوط إضافية مع اتساع الفجوة بين السياسات النقدية الكبرى. كما استفادت بعض العملات المرتبطة بالمخاطرة، مثل الدولارين الأسترالي والنيوزيلندي، من تحسن الإقبال العام على الأصول عالية العائد.
قراءة أوسع للسوق: من علاوة الحرب إلى إعادة التسعير
تشير التحركات المتزامنة في النفط والذهب والأسهم والعملات إلى أن الأسواق دخلت مرحلة إعادة تسعير واسعة للمخاطر. ففي لحظات كهذه، تنتقل الرسالة بسرعة بين فئات الأصول: انخفاض النفط يخفف توقعات التضخم، وتراجع الملاذات الآمنة يرفع الإقبال على الأسهم، بينما تبقى السندات والعملات حساسة لأي تغيير في توقعات السياسة النقدية.
لكن الصورة النهائية لا تزال مفتوحة. فنجاح الاتفاق الأميركي الإيراني سيعتمد على مدى التزام الأطراف ببنوده، وعلى قدرة خطوط الإمداد على العمل دون تعطيل، وعلى ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيستوعب صدمة الطاقة من دون تباطؤ حاد. وحتى تتضح هذه العوامل، ستظل الأسواق تتعامل مع كل تطور على أنه اختبار جديد لتوازن هش بين الجيوسياسة والاقتصاد الكلي.