الأعمال والاقتصاد الرقمي 16-Jun-2026 5 دقائق قراءة

أسعار النفط تهبط إلى ما دون 91 دولارا للبرميل مع انحسار مخاوف الإمدادات

تراجعت أسعار خام برنت وغرب تكساس بشكل حاد وسط تفاؤل حذر بشأن اتفاق محتمل مع إيران وتراجع المخاوف من اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط.

تراجع حاد في خام برنت وغرب تكساس

شهدت أسواق النفط العالمية موجة هبوط لافتة خلال جلسة التداول الأخيرة، بعدما فقد خام برنت جزءا كبيرا من مكاسبه السابقة وانخفض إلى ما دون 91 دولارا للبرميل، في تحرك عكس سرعة تبدل المزاج الاستثماري تجاه المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وأظهرت بيانات التداول في بورصة إنتركونتيننتال إكستشينج في لندن أن خام برنت القياسي نزل بنحو 2.48% ليصل إلى 91.91 دولارا للبرميل بحلول الساعة 16:29 بتوقيت موسكو، وهو أدنى مستوى له منذ 29 مايو 2026. ولم يتوقف التراجع عند هذا الحد، إذ واصل الخام خسائره إلى 90.99 دولارا للبرميل، منخفضا 3.46%، ليكسر مستوى 91 دولارا للمرة الأولى منذ نحو أسبوعين.

وفي السوق الأمريكية، تعرض خام غرب تكساس الوسيط لضغوط مماثلة، إذ هبطت العقود الآجلة له بنسبة 4% لتسجل 87.65 دولارا للبرميل، في إشارة إلى اتساع نطاق البيع في أسواق الطاقة مع إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالإمدادات.

تصريحات سياسية تدفع السوق إلى إعادة التقييم

جاء الهبوط الأخير بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر فيها عن تفاؤله بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران. ووفق ما نقلته صحيفة غارديان، أشار ترامب إلى أن المفاوضات مع طهران بلغت مراحل متقدمة، وأن مضيق هرمز قد يُعاد فتحه خلال يومين أو ثلاثة في حال التوصل إلى تفاهم نهائي.

هذه الإشارات بعثت برسالة تهدئة إلى الأسواق، لأن أي انفتاح سياسي في الملف الإيراني يخفف احتمالات تعطّل تدفقات النفط عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك، ترجمت منصات التداول هذا التوقع إلى انخفاض سريع في الأسعار، بعد أن كانت السوق قد بنت جزءا من تسعيرها على سيناريوهات اضطراب أوسع في الإمدادات.

من ارتفاع قوي إلى ضغط بيعي سريع

اللافت أن هذا التراجع جاء مباشرة بعد جلسة صعود قوية بلغت نحو 5% في اليوم السابق، عندما دفعت الغارات الإسرائيلية المتجددة على إيران والهجمات في لبنان المتعاملين إلى رفع توقعاتهم بشأن احتمالات اتساع النزاع. وقتها، اعتقد كثير من المستثمرين أن الحرب قد تدخل مرحلة أطول وأكثر تأثيرا على تجارة النفط العالمية.

لكن إعلان إيران وقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، إلى جانب الدعوات الأمريكية لوقف إطلاق النار، غيّر اتجاه التداولات بسرعة. فالسوق التي كانت تتعامل مع احتمال تصاعد التوتر، عادت فجأة إلى تسعير سيناريو أكثر هدوءا، وهو ما دفع المتعاملين إلى تقليص مراكز الشراء المرتبطة بالمخاطر.

الهدنة الهشة ما تزال العامل الحاسم

رغم تراجع الأسعار، لا تبدو المخاوف قد اختفت من السوق. فالمستثمرون ما زالوا يتابعون التطورات بحذر، لأن الهدنة الحالية بين الأطراف المعنية تبدو قابلة للاهتزاز في أي لحظة إذا تجددت الضربات أو اتسعت دائرة الردود العسكرية.

الجيش الإسرائيلي أعلن أنه أوقف ضرباته على إيران مؤقتا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه سيرد إذا تعرض لهجوم جديد. وفي المقابل، تؤكد طهران أنها ستستأنف ضرباتها إذا واصلت إسرائيل عملياتها ضد حزب الله في لبنان. هذا التشابك في المواقف يجعل أسعار النفط عرضة لتقلبات حادة، لأن السوق لا تتعامل فقط مع أحداث اليوم، بل أيضا مع احتمال تغيرها خلال ساعات.

الأسواق توازن بين التفاؤل والحذر

يقول محللون إن التراجع الأخير لا يعني بالضرورة انحسار المخاطر بالكامل، بل يعكس فقط انتقال السوق من حالة الذعر إلى حالة مراقبة دقيقة. فهناك ارتياح محدود من توقف الضربات المباشرة، لكن الشكوك لا تزال قائمة حول قدرة الهدنة على الصمود.

وفي هذا السياق، نقلت رويترز عن تيم ووترر، كبير محللي السوق في KCM Trade، أن المتعاملين يشعرون ببعض الارتياح من توقف الضربات المباشرة، لكنهم غير مقتنعين بأن الهدنة ستستمر. هذه القراءة تلخص بدقة حال المستثمرين، الذين يحاولون الموازنة بين احتمالات التهدئة من جهة، وإمكانية عودة التصعيد من جهة أخرى.

وتعتمد أسعار النفط في مثل هذه الظروف على عاملين متناقضين: الأول هو أساسيات السوق المتعلقة بالإمدادات والمخزونات والطلب العالمي، والثاني هو الجغرافيا السياسية التي يمكن أن تغير اتجاه الأسعار في دقائق. وفي الحالة الحالية، يبدو العامل الثاني هو الأكثر تأثيرا، خاصة مع ارتباط المضاربات بممرات الشحن والتوترات العسكرية في المنطقة.

ماذا يعني ذلك لأسواق الطاقة

يعكس الهبوط الأخير حساسية أسواق الطاقة لأي تطور سياسي أو أمني في الشرق الأوسط. فمجرد الإيحاء بإمكانية اتفاق مع إيران كافٍ لدفع المتعاملين إلى بيع العقود الآجلة، بينما أي إشارة إلى تعثر المحادثات قد تعيد الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.

كما يبرز التحرك الأخير أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أهم ممرات صادرات النفط في العالم. فاستقرار هذا الممر أو تعثره لا يؤثر فقط في أسعار الخام، بل ينعكس أيضا على تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة، وهو ما يفسر حدة رد فعل الأسواق.

وبينما يواصل المستثمرون مراقبة تطورات الهدنة والمفاوضات، تبقى اتجاهات النفط مرهونة بقدرة الأطراف على تجنب خطوات قد تعيد المخاوف بشأن الإمدادات إلى الواجهة. وفي المدى القريب، يبدو أن كل تصريح جديد قد يكون كافيا لإعادة تشكيل حركة الأسعار من جديد.