قال أمين عام منظمة أوبك، هيثم الغيص، إن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بدأت تنعكس على سوق النفط العالمي عبر تباطؤ محدود في نمو الطلب، لكنه شدد على أن هذا الأثر لا يرقى إلى مستوى التراجع الحاد.
وجاءت هذه التصريحات خلال جلسة بعنوان أنظمة الطاقة العالمية: كيف يستجيب قطاع الطاقة العالمي للتحديات والمخاطر ضمن أعمال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الذي يجمع هذا العام مسؤولين وخبراء وممثلي شركات من عدة دول لمناقشة تحولات سوق الطاقة.
تباطؤ في الطلب لكنه ليس انكماشاً
أوضح الغيص أن التطورات المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما ما يجري حول مضيق هرمز، أدت إلى تعديل طفيف في توقعات نمو الطلب على النفط خلال الأشهر الماضية. لكنه أشار إلى أن هذا التغير يظل ضمن نطاق محدود، ما يعني أن السوق لم تدخل بعد في مرحلة هبوط واسع أو صدمة كبيرة في الاستهلاك العالمي.
ويكتسب هذا التقييم أهمية خاصة لأن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لشحنات الخام في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على توقعات الإمدادات والتسعير وخطط الشراء لدى المستوردين الكبار.
ورغم الضغوط الحالية، حافظ الغيص على نبرة متوازنة، في إشارة إلى أن السوق ما زالت قادرة على امتصاص جزء من المخاطر عبر آليات التوازن بين العرض والطلب، إضافة إلى احتياطيات الطاقة المتاحة لدى بعض المنتجين.
أوبك+ تبقى أداة للاستقرار
من جانبه، أكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن موسكو ماضية في التعاون النشط داخل تحالف أوبك+ إلى جانب الدول الأعضاء الأخرى، معتبراً أن هذا الإطار لا يزال من الأدوات الأكثر فاعلية في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويعكس هذا الموقف استمرار الرهان على التنسيق بين المنتجين الكبار للحد من التقلبات الحادة، خصوصاً في فترات التوتر الجيوسياسي أو اضطراب الإمدادات. وفي بيئة سعرية تتأثر بسرعة بالأحداث الإقليمية، تبقى قرارات الإنتاج والتخفيضات الطوعية والالتزام الجماعي من أهم عوامل ضبط السوق.
كما أشار نوفاك إلى أن الهيدروكربونات ما تزال تمثل الأساس الصلب لمزيج الطاقة العالمي، لافتاً إلى أنها تشكل حالياً نحو 84% من هذا المزيج. وهذه النسبة، وفقاً لقراءته، تعني أن التحول إلى الطاقة النظيفة يسير بوتيرة مهمة لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة تقليص الاعتماد على النفط والغاز بصورة جوهرية.
ضغوط على جانب العرض وسلاسل الإمداد
في المقابل، حذر المسؤول الروسي من أن السوق النفطية تواجه ضغوطاً متصاعدة على جانب العرض، سواء بسبب عوامل جيوسياسية أو صعوبات لوجستية تؤثر على تدفق الخام والمنتجات المرتبطة به. وذكر أن السوق العالمية تخسر ما يقارب 12 مليون برميل يومياً، في إشارة إلى حجم الضغوط التي قد تصيب منظومة الإنتاج أو التوزيع أو الوصول إلى بعض الإمدادات.
هذا الرقم يعكس، في القراءة الاقتصادية، هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام الصدمات المفاجئة، خاصة عندما تتقاطع المخاطر السياسية مع القيود التشغيلية في النقل والتكرير والتأمين والشحن البحري. كما يبرز أن الأمن الطاقي لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بقدرة الأسواق على نقل الطاقة بأقل كلفة وأقل اضطراب.
وفي هذا السياق، تبدو إشارات الحذر من كبار المسؤولين في قطاع الطاقة انعكاساً لمرحلة تتداخل فيها عدة ملفات: التوترات الإقليمية، التحول التدريجي نحو الطاقة المتجددة، استمرار الطلب القوي في بعض الاقتصادات الكبرى، وتذبذب استثمارات الاستكشاف والتطوير في بعض الأسواق.
النفط في قلب التوازنات الاقتصادية العالمية
تأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه النفط لعب دور محوري في التجارة العالمية والنقل والصناعة والبتروكيماويات. ورغم التوسع في مصادر الطاقة البديلة، فإن الاعتماد العالمي على النفط والغاز لا يزال عميقاً، وهو ما يجعل أي تهديد للإمدادات أو أي تراجع في الثقة بالسوق سبباً كافياً لإعادة تسعير المخاطر سريعاً.
كما أن الحديث عن تباطؤ نمو الطلب، حتى وإن كان محدوداً، يكتسب معنى إضافياً بالنسبة للمستثمرين وشركات التداول والمنتجين، لأنه قد يؤثر في قرارات التخطيط للميزانيات المستقبلية، ومستويات الاستثمار في الحقول الجديدة، وسياسات التكرير، ومسارات الشحن والتخزين.
وفي المقابل، فإن استمرار التنسيق داخل أوبك+ يوحي بأن المنتجين الرئيسيين لا يزالون يفضلون إدارة السوق عبر التوازن التدريجي بدلاً من تركها عرضة لتقلبات أوسع. ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة قد تشهد تركيزاً أكبر على المرونة في الإنتاج، ومراقبة دقيقة لممرات الإمداد، واستجابة أسرع للتطورات الجيوسياسية.
منتدى بطرسبورغ يسلط الضوء على مستقبل الطاقة
انطلقت فعاليات المنتدى الاقتصادي الدولي في بطرسبورغ بمشاركة واسعة من ممثلي الحكومات والشركات والخبراء، وتستمر أعماله عدة أيام، مع تخصيص جزء كبير من النقاشات لملف الطاقة والتحولات المرتبطة به.
وتحظى مشاركة السعودية في الحدث بوصفها ضيف شرف بأهمية خاصة، نظراً لدورها في أسواق الطاقة العالمية وارتباطها الوثيق بملفات الإنتاج والاستثمار والتعاون الصناعي. كما تعكس هذه المشاركة اتساع مساحة النقاش حول مستقبل أسواق النفط في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.
وبين تحذيرات من ضغوط على العرض وإشارات إلى تباطؤ محدود في الطلب، تبدو سوق النفط العالمية مقبلة على مرحلة تتطلب قدراً أعلى من التنسيق والمرونة، مع بقاء الشرق الأوسط في صدارة العوامل المؤثرة على اتجاهات الأسعار والتجارة والإمدادات خلال الفترة المقبلة.