تتجه الولايات المتحدة، وفق تقديرات اقتصادية جديدة، إلى الاقتراب مجدداً من الحد القانوني للدين العام خلال الأشهر المقبلة، في وقت تعود فيه المخاوف من أزمة تمويل حكومية قد تضع أكبر اقتصاد في العالم أمام اختبار مالي وسياسي حساس.
وتستند هذه التقديرات إلى أحدث بيانات التدفقات النقدية الأمريكية، وهي بيانات تُستخدم لتقدير الموعد الذي قد تنفد فيه قدرة الحكومة الفيدرالية على الاقتراض قبل الحاجة إلى تحرك تشريعي جديد.
وبحسب هذه القراءة، فإن بلوغ السقف لن يعني بالضرورة توقف الحكومة فوراً عن السداد، لكنه سيضع وزارة الخزانة أمام مساحة حركة ضيقة للغاية، ويزيد الضغط على الكونغرس للتصرف قبل نفاد الخيارات المتاحة.
إجراءات مؤقتة تمنح الحكومة مهلة محدودة
عند وصول الدين إلى الحد المسموح به قانوناً، تلجأ وزارة الخزانة إلى ما يُعرف بـ الإجراءات الاستثنائية، وهي مجموعة خطوات محاسبية ومالية مؤقتة تهدف إلى إطالة الفترة التي تستطيع خلالها الحكومة الوفاء بالتزاماتها من دون تجاوز السقف.
وتشمل هذه الإجراءات استخدام بعض الاحتياطيات النقدية وإعادة ترتيب عمليات مالية داخلية بطريقة توفر سيولة إضافية لفترة محدودة. وتقدّر بعض المراكز البحثية أن هذه الأدوات قد تمنح الحكومة الأمريكية مهلة إضافية تتراوح بين ستة وتسعة أشهر، لكن من دون حل دائم للمشكلة.
ويعني ذلك أن الوقت يُشترى فقط، بينما يبقى القرار الحاسم بيد المشرعين الذين يتعين عليهم لاحقاً رفع السقف أو تعليقه لتجنب تعثر محتمل في السداد.
خلفية سياسية مرتبطة بقرارات الإنفاق والاقتراض
الجدل حول سقف الدين ليس قضية محاسبية بحتة، بل ملف سياسي متكرر في واشنطن. فقد رفع الجمهوريون سقف الدين في الصيف الماضي بمقدار 5 تريليونات دولار عبر قانون واسع شمل تعديلات مالية كبيرة، لكن الحاجة إلى تعديل جديد قد تعود سريعاً إذا استمرت الضغوط على المالية العامة.
ومن المنتظر أن يقع العبء التشريعي المقبل على الكونغرس القادم، إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، في حال تطلبت الظروف تمرير قانون جديد يسمح بمواصلة الاقتراض أو يعلق السقف مؤقتاً.
ويحذر اقتصاديون من أن أي تعثر فعلي في سداد الديون الأمريكية سيكون حدثاً غير مسبوق، وقد يسبب اضطراباً واسعاً في الأسواق المالية العالمية، نظراً إلى الدور المركزي الذي تلعبه السندات الأمريكية في النظام المالي الدولي.
تصاعد القلق من العجز المالي
إلى جانب مخاطر السقف، تتزايد المخاوف بشأن اتساع العجز الفيدرالي. وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تتجه إلى إنفاق نحو 2 تريليون دولار أكثر مما تجنيه خلال السنة المالية الحالية، وهو فارق يضغط على استدامة الدين العام ويرفع كلفة التمويل على المدى الأطول.
كما تعكس استطلاعات رأي جديدة أن العجز المالي بات يشغل شريحة أكبر من الأمريكيين مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر على أن الملف لم يعد شأناً تقنياً يخص الأسواق فقط، بل قضية رأي عام مرتبطة مباشرة بالضرائب والإنفاق الحكومي ومستقبل الاستقرار الاقتصادي.
ويأتي هذا التحول في المزاج الشعبي في وقت يتجاوز فيه الدين الإجمالي الناتج المحلي للبلاد، ما يضيف طبقة جديدة من القلق لدى صناع القرار والمستثمرين على حد سواء.
ما الذي يعنيه ذلك للأسواق والاقتصاد العالمي؟
في حال تأخرت التسوية السياسية، قد تدخل الأسواق مرحلة من الترقب الحاد مع ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة وتراجع الثقة في الاستقرار المالي قصير الأجل. أما إذا تم التوصل إلى اتفاق مبكر، فقد تتراجع حدة المخاوف مؤقتاً، من دون أن يختفي أصل المشكلة المرتبط بمسار الدين والعجز.
ويظل سقف الدين أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الأمريكي، لأنه يجمع بين التعقيد المالي والانقسام السياسي، بينما تحدد نتائجه، في كثير من الأحيان، مسار الثقة بالاقتصاد الأمريكي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ومع استمرار الاعتماد على بيانات التدفقات النقدية لتقدير الموعد المحتمل للأزمة، تبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستتمكن من تفادي مواجهة مالية جديدة أم ستدخل مجدداً في أزمة سقف الدين.