عوامل جيوسياسية تدفع أسواق السندات إلى الهدوء
سجلت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو تراجعاً مع بداية الأسبوع، في إشارة إلى تحسن واضح في شهية المخاطرة لدى المستثمرين بعد مؤشرات على تقدم في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التحسن خفف من مخاوف الأسواق بشأن احتمال اتساع التوتر في الشرق الأوسط، وهو سيناريو كان من شأنه أن يضغط على تدفقات التجارة العالمية ويرفع أسعار الطاقة بصورة حادة.
وجاءت الحركة في السندات الأوروبية متزامنة مع تهدئة نسبية في أسواق النفط، بعد أن انخفضت العقود الآجلة لخام برنت، ما ساعد على تخفيف القلق من موجة جديدة من الضغوط التضخمية في منطقة اليورو. وغالباً ما ترتبط تكاليف الطاقة في أوروبا مباشرة بتوقعات النمو والتضخم، لذلك تتفاعل أسواق الدين بسرعة مع أي تغير في مسار الأسعار الجيوسياسية للنفط.
كما أفادت تقارير الوساطة بوجود قناة اتصال لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، وهو ممر حساس لأي اضطراب أمني. ورغم إعلان «الحرس الثوري» الإيراني عن إغلاق المضيق، أكدت معطيات أخرى أن حركة السفن التجارية استمرت، ما دعم الرؤية التي تفيد بأن المخاطر الفعلية قد تكون أقل حدة مما كانت تسعّره الأسواق في نهاية الأسبوع الماضي.
السندات الألمانية تقود حركة العوائد
تركزت أنظار المستثمرين على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات باعتبارها المعيار الأهم لعوائد الدين في منطقة اليورو. وقد انخفض العائد عليها بنقطتين أساس تقريباً ليصل إلى 2.966 في المائة، بعد أن كان قد ارتفع في جلسة سابقة نتيجة تصاعد التوترات ثم عودة المخاوف المتعلقة بالطاقة والتضخم.
ويعكس هذا التحرك مدى حساسية السوق الأوروبية تجاه التطورات الخارجية، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بالشرق الأوسط وبأسعار النفط. ففي حالات الاضطراب، يتجه المستثمرون عادة إلى الأصول الأكثر أماناً، ما يدفع أسعار السندات الحكومية للارتفاع وعوائدها للانخفاض. ومع تقلص احتمالات التصعيد، عادت بعض الضغوط البيعية على الأصول الدفاعية إلى التراجع.
ويرى متعاملون أن مستوى 3 في المائة لعائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات يمثل منطقة فنية مهمة في المدى القريب، إذ قد يشكل حاجزاً نفسياً للسوق إذا ما استمرت الأنباء الإيجابية حول المفاوضات والمرور الآمن في الممرات البحرية. وفي المقابل، أي تعثر جديد في المحادثات أو عودة التهديدات لإغلاق المضيق يمكن أن يعيد العوائد إلى الارتفاع بسرعة.
هبوط أسعار النفط يخفف مخاوف التضخم
سجلت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً مع انحسار المخاوف من اضطراب الإمدادات، وهو ما ألقى بظلاله على أسواق الدخل الثابت في أوروبا. وقد انخفض خام برنت بنحو 1.9 في المائة إلى 79.06 دولار للبرميل، بعد موجة صعود سابقة غذتها التوترات في المنطقة.
ويعد هذا التراجع مهماً بالنسبة للمستثمرين في السندات الأوروبية، لأن ارتفاع النفط غالباً ما ينعكس سريعاً على توقعات التضخم، ويزيد الشكوك حول قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة أو الإبقاء عليها مستقرة. أما عندما تهدأ أسعار الطاقة، فإن الأسواق تميل إلى تقليص علاوة المخاطر المرتبطة بالتضخم، وهو ما يدعم السندات الحكومية نسبياً.
وفي هذا السياق، استفادت الأسواق من انطباع أولي بأن المحادثات بين واشنطن وطهران قد تسير نحو مسار أكثر استقراراً. كما أن الاتفاق على خريطة طريق زمنية للتوصل إلى تسوية خلال 60 يوماً منح المستثمرين نافذة من التفاؤل، حتى وإن بقيت المخاطر الجيوسياسية قائمة.
ترقب لرسائل البنك المركزي الأوروبي
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، تترقب الأسواق كلمة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أمام البرلمان الأوروبي، وسط بحث المستثمرين عن إشارات أوضح بشأن تقييم المؤسسة النقدية للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية. وتأتي هذه المتابعة في وقت لا تزال فيه التوقعات حول المسار المستقبلي للفائدة غير محسومة بالكامل.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد بدأ دورة التشديد النقدي قبل عدد من البنوك المركزية الكبرى الأخرى، إلا أن التحسن النسبي في المزاج العام للأسواق خفف من توقعات المتعاملين بخصوص وتيرة الزيادات المقبلة. وباتت الرهانات الحالية تشير إلى تشديد محدود نسبياً حتى نهاية العام، مقارنة بتقديرات سابقة كانت ترجح مساراً أكثر صرامة.
ويحاول المستثمرون الموازنة بين عاملين متعارضين: من جهة، ضغوط التضخم التي قد تعود بفعل الطاقة والسلع، ومن جهة أخرى، علامات تباطؤ النمو التي قد تدفع المركزي الأوروبي إلى توخي الحذر. لذلك أصبحت تصريحات لاغارد وبيانات البنك المقبلة ذات أهمية خاصة في تحديد اتجاه منحنى العوائد الأوروبي خلال الأسابيع القادمة.
السندات القصيرة الأجل تعكس تغير الرهانات
لم تقتصر الحركة على السندات طويلة الأجل، بل شملت كذلك العوائد القصيرة الأجل الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية. فقد تراجع العائد على السندات الألمانية لأجل عامين إلى 2.626 في المائة، في دلالة على أن المستثمرين خفضوا قليلاً رهاناتهم على مزيد من التشديد السريع.
ويُنظر إلى هذا النوع من السندات باعتباره مرآة مباشرة لتوقعات الفائدة المستقبلية، لذا فإن أي تحول في الرؤية تجاه المركزي الأوروبي يظهر عادة أولاً في هذا الجزء من المنحنى. ومع تبدل المزاج العالمي وتحسن المعنويات، أصبح التسعير الحالي أقل ميلاً إلى التشديد مقارنة بما كان عليه بعد اجتماع البنك في 11 يونيو.
وتشير بيانات السوق إلى أن المستثمرين يسعّرون حالياً نحو 35 نقطة أساس من التشديد بحلول نهاية العام، أي ما يعادل رفعاً إضافياً واحداً تقريباً بمقدار 25 نقطة أساس مع احتمال لرفع آخر. وهذه الأرقام تعكس تراجعاً في توقعات التشديد مقارنة بتقديرات سابقة كانت تلامس 40 نقطة أساس أو أكثر.
قراءة في المشهد الاستثماري الأوروبي
توضح التحركات الأخيرة أن سوق السندات الأوروبية لم تعد تتحرك فقط استجابة لبيانات الاقتصاد الكلي التقليدية، بل أصبحت أكثر حساسية لتداعيات الجغرافيا السياسية، ولا سيما كل ما يرتبط بالطاقة والممرات البحرية والتوترات الإقليمية. وفي بيئة كهذه، يمكن لأي تطور دبلوماسي أو أمني أن يغير اتجاه العوائد خلال ساعات.
كما تكشف هذه التطورات أن المستثمرين ما زالوا يفضلون قراءة المشهد من زاويتين متوازيتين: الأولى تتعلق بالتضخم والنمو، والثانية تتعلق بمستوى المخاطر الخارجية التي قد تدفع البنوك المركزية إلى تعديل نهجها. وبين هذين العاملين، يتحرك منحنى العوائد الأوروبية بحذر، منتظراً مؤشرات أوضح من السياسة النقدية ومن ساحة التوترات الدولية.