شهد مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 حضوراً لافتاً عكس تغيّرات أوسع في مسار الاقتصاد العالمي، إذ تحوّل الحدث إلى منصة تجمع مسؤولين ومستثمرين وخبراء من أكثر من 130 دولة، في وقت تتسارع فيه إعادة رسم خريطة النفوذ التجاري والمالي بين الشرق والغرب. ولم يعد المنتدى مجرد تجمع سنوي للنقاشات الاقتصادية، بل أصبح مؤشراً على اتجاهات جديدة في الاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد.
النسخة الحالية من المنتدى انعقدت في مركز إكسبوفوروم بمدينة سانت بطرسبرغ بين 3 و6 يونيو، وجذبت أكثر من 20 ألف مشارك، فيما تجاوزت قيمة الاتفاقيات المعلنة 6.64 تريليون روبل. هذه الأرقام تمنح الحدث وزناً خاصاً في بيئة دولية تشهد توتراً جيوسياسياً وتباطؤاً في بعض الاقتصادات الكبرى، إلى جانب بحث متزايد من الدول الصاعدة عن شراكات أكثر تنوعاً.
منصة تعكس تحوّل النظام الاقتصادي
أبرز ما كشفه المنتدى هذا العام هو اتساع الفجوة بين النظام الاقتصادي التقليدي الذي كان يرتكز على مركزية غربية، وبين واقع جديد يتشكل حول تعدد مراكز القوة. فالحضور الكثيف من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقابل غياب رسمي غربي واسع، يعكس بوضوح أن جزءاً كبيراً من الدول بات يفضّل بناء قنوات تعاون اقتصادية خارج الأطر القديمة.
هذا التحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع الغرب، لكنه يشير إلى أن الاقتصادات الصاعدة أصبحت أكثر جرأة في تنويع خياراتها. وفي مثل هذا السياق، يكتسب المنتدى أهمية إضافية لأنه يمنح الدول المشاركة فرصة لاختبار مسارات جديدة في التمويل، والتصنيع، والنقل، والتقنيات الصناعية، بعيداً عن الاعتماد على شريك واحد أو سوق واحدة.
كما برزت ملفات الطاقة، والتكنولوجيا، واللوجستيات، والأمن الغذائي كعناوين رئيسية للنقاشات، ما يؤكد أن المنافسة الاقتصادية الدولية لم تعد محصورة في النفط والغاز، بل تشمل أيضاً البنية التحتية الرقمية، والممرات التجارية، وتأمين سلاسل التوريد في عالم أكثر تقلباً.
السعودية في موقع الشريك المحوري
حملت مشاركة السعودية بصفة ضيف الشرف دلالات تتجاوز البروتوكول المعتاد. فالمملكة، بوصفها أكبر اقتصاد عربي وأحد أهم منتجي الطاقة في العالم، دخلت المنتدى بثقل اقتصادي واضح، في وقت تمضي فيه قدماً في تنفيذ مشاريع رؤية 2030 وتنويع قاعدتها الإنتاجية والاستثمارية.
هذا الحضور يعكس أيضاً اتجاهاً سعودياً أوسع نحو بناء شبكة علاقات اقتصادية مرنة ومتعددة المسارات، بحيث لا تبقى الشراكات محصورة في محور دولي واحد. ومن منظور الأعمال، فإن هذا النهج يفتح المجال أمام فرص أكبر في المعادن، والصناعة، والطاقات الجديدة، والخدمات اللوجستية، والتقنيات المستقبلية.
وتكتسب مشاركة وزير الصناعة السعودي في جلسات مرتبطة بالمعادن النادرة، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد أهمية خاصة، لأنها توضح أن الرياض تنظر إلى التعاون الدولي من زاوية عملية، تركّز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى الملفات التي يمكن أن تمنحها قدرة أكبر على التأثير في مستقبل التجارة والإنتاج.
الطاقة من التنسيق إلى إعادة هندسة السوق
لا يزال قطاع الطاقة أحد أكثر الملفات حساسية بين روسيا ودول الخليج، لكن ما برز في SPIEF 2026 هو انتقال النقاش من مجرد تنسيق إنتاجي إلى تصور أوسع لإدارة سوق الطاقة العالمية. فكلما تعمق التعاون بين كبار المنتجين، زادت قدرتهم على التأثير في الأسعار، وتوازنات المعروض، ومسارات الاستثمار.
الأكثر لفتاً للنظر هو دخول ملفات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر إلى دائرة الحوار. وهذا التطور يشير إلى أن الشراكة المحتملة لم تعد محصورة في النفط والغاز التقليديين، بل تمتد إلى الطاقة التي ستشكل قواعد المنافسة في العقود المقبلة. بالنسبة لدول المنطقة، يعني ذلك فرصاً جديدة لبناء تحالفات تقنية واستثمارية طويلة الأمد، وليس فقط صفقات تصدير قصيرة المدى.
وفي المقابل، يمنح هذا التنوع دول الشرق الأوسط مساحة أكبر في التفاوض مع الشركاء الغربيين والآسيويين على السواء، لأن امتلاك بدائل متعددة يرفع من قيمة الأوراق الاقتصادية المتاحة أمامها.
اللوجستيات وسلاسل الإمداد في قلب التنافس الجديد
أحد الدروس الأوضح في المنتدى يتمثل في أن العالم يعيد التفكير في خرائط النقل والتجارة. فالأزمات المتتالية، من الاضطرابات الجيوسياسية إلى الاختناقات البحرية والبرية، دفعت الحكومات والشركات إلى البحث عن مسارات بديلة تقلل المخاطر وتزيد المرونة.
هنا تبرز دول مثل السعودية والإمارات ومصر بوصفها محاور محتملة في شبكة لوجستية أوسع تربط روسيا بآسيا وأفريقيا. ويعني ذلك أن الدور الاقتصادي للمنطقة قد يتجاوز مفهوم السوق المستهلكة إلى موقع عقدة رئيسية في سلاسل القيمة العالمية.
كما أن تنويع مصادر التمويل والتقنية يمنح الشركات الخليجية والعربية فرصة للاستفادة من التنافس بين الشركاء الدوليين. فبدلاً من الارتهان إلى مصدر واحد للمعرفة أو رأس المال، يمكن بناء شراكات متوازنة ترفع جودة الاستثمار وتدعم نقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية.
الأمن الغذائي يتحول إلى أولوية استراتيجية
من أبرز الملفات التي حظيت باهتمام ملحوظ في المنتدى الأمن الغذائي، وهو موضوع شديد الحساسية بالنسبة إلى الشرق الأوسط، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الحبوب والمنتجات الزراعية. وفي هذا السياق، تأتي روسيا كمورد رئيسي للقمح والأسمدة، ما يجعل التعاون معها ذا قيمة اقتصادية مباشرة.
الرهان هنا لا يقتصر على تأمين الإمدادات، بل يشمل أيضاً تقليل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية، وتحسين شروط التوريد، وبناء ممرات أكثر استقراراً للمنتجات الزراعية عبر الموانئ وشبكات النقل الإقليمية. وكلما زادت خيارات الدول العربية في مصادر الغذاء، تراجعت هشاشتها أمام الضغوط السياسية أو الاضطرابات التجارية.
بهذا المعنى، يتحول الأمن الغذائي من عبء مزمن إلى ورقة تفاوضية تمنح الدول العربية استقلالية أكبر في القرار الاقتصادي والاستراتيجي.
الرسالة الأوسع: براغماتية في عالم متعدد الأقطاب
يكشف المنتدى أن الشرق الأوسط، وخاصة دول الخليج، يتجه إلى صياغة نموذج براغماتي في السياسة الاقتصادية الخارجية. فالمعادلة لم تعد تقوم على الاختيار الحاد بين الشرق والغرب، بل على بناء علاقات متعددة تسمح بتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر.
هذا النهج ينسجم مع واقع دول مثل السعودية والإمارات، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي عبر الاستثمار، والطاقة المتجددة، واللوجستيات، والتكنولوجيا، والسياحة، مع الحفاظ على قنوات قوية مع مختلف القوى الدولية. وفي الوقت نفسه، يمنح هذا التوجه دول المنطقة موقعاً أكثر فاعلية داخل ما يسمى بالجنوب العالمي، حيث تتزايد المطالب بإعادة توزيع أدوار التأثير في الاقتصاد الدولي.
ورغم الفرص الواضحة، تبقى هناك تحديات لا يمكن تجاهلها. فإدارة التوازنات الدولية تحتاج إلى دقة عالية، حتى لا يتحول الانفتاح على موسكو إلى توتر غير محسوب مع شركاء غربيين ما زالوا أساسيين في الاستثمار والتكنولوجيا والأمن. كما أن تنويع الشراكات لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية جديدة من نوع مختلف.
في النهاية، يقدم مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 صورة واضحة عن عالم تتعدد فيه المراكز الاقتصادية وتتسع فيه خيارات الدول الباحثة عن النفوذ والنمو. وفي قلب هذا المشهد، يبدو الشرق الأوسط أكثر استعداداً من أي وقت مضى لتحويل موقعه الجغرافي وموارده الطاقوية وقدرته الاستثمارية إلى أدوات تأثير في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.