05-Jul-2026 5 دقائق قراءة

معنويات الأعمال في اليابان تسجل أعلى مستوى في 8 سنوات وسط ضغوط تضخمية وتوقعات برفع الفائدة

أظهر مسح تانكان تحسناً قوياً في معنويات الشركات اليابانية إلى أعلى مستوى منذ 2018، مع صعود توقعات التضخم إلى مستويات قياسية، ما يعزز احتمالات مواصلة بنك اليابان تشديد السياسة النقدية خلال العام الجاري.

تحسن واضح في مزاج الشركات

أظهر أحدث مسح ربع سنوي لبنك اليابان أن ثقة الشركات الكبرى في البلاد واصلت التحسن خلال الربع الثاني من العام، لتصل إلى أعلى مستوياتها في ثماني سنوات. ويعكس ذلك قدرة الاقتصاد الياباني على الصمود رغم الضغوط الخارجية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب استمرار الطلب المحلي والخارجي على بعض القطاعات الحيوية.

وجاءت النتيجة في وقت يراقب فيه صناع السياسات عن كثب أثر ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمداد على الشركات، خاصة في القطاعات المرتبطة بالإنتاج الصناعي والخدمات. لكن البيانات الأخيرة تشير إلى أن النشاط الاقتصادي ما زال أكثر تماسكا مما كان متوقعا، وهو ما قد يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لمواصلة تطبيع السياسة النقدية.

مؤشر الصناعات الكبرى يتجاوز التوقعات

بيّن مسح تانكان أن المؤشر الرئيسي لثقة الشركات الصناعية الكبرى ارتفع إلى 22 نقطة في يونيو، مقارنة بـ17 نقطة في مارس، متجاوزا تقديرات السوق التي كانت تشير إلى 16 نقطة فقط. كما سجل المؤشر أعلى مستوى له منذ مارس 2018، في إشارة إلى تحسن ظروف الأعمال لدى المصانع اليابانية.

ورغم أن ارتفاع التكاليف وتعطل بعض سلاسل التوريد بسبب التوترات الجيوسياسية أثرا سلبا على المعنويات، فإن الطلب القوي على السلع والرقائق الإلكترونية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي ساعد في تعويض جزء مهم من هذه الضغوط. ويعكس ذلك الدور المتزايد للتكنولوجيا المتقدمة في دعم قطاعات التصدير والصناعة اليابانية.

الخدمات تستفيد من السياحة وتمرير التكاليف

أما الشركات غير الصناعية الكبرى، فقد ارتفع مؤشرها إلى 37 نقطة من 36 نقطة في المسح السابق، متجاوزا أيضا توقعات الأسواق التي أشارت إلى 35 نقطة. وسجل المؤشر أعلى مستوى له منذ أغسطس 1991، مدفوعا بعوامل عدة في مقدمتها تعافي السياحة الوافدة وتحسن قدرة الشركات على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأنها تعكس اتساع نطاق التحسن ليشمل قطاعات الخدمات، وليس الصناعة وحدها. كما أن قوة السياحة الخارجية تضيف دعما إضافيا للاقتصاد الياباني، في وقت ما تزال فيه العملة المحلية ضعيفة نسبيا، ما يساعد في تعزيز إنفاق الزوار الأجانب داخل البلاد.

توقعات التضخم عند مستويات غير مسبوقة

من أبرز ما كشفه المسح أيضا ارتفاع توقعات الشركات للتضخم إلى 2.6 في المائة خلال ثلاث وخمس سنوات، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن قراءة مارس، لتسجل بذلك مستويات قياسية جديدة. وتشير هذه النتائج إلى أن الشركات تتوقع بقاء التضخم فوق هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لفترة طويلة، وليس مجرد ارتفاع عابر.

وفي بيئة كهذه، تصبح قرارات السياسة النقدية أكثر تعقيدا. فبينما تحتاج السلطات النقدية إلى دعم الاستقرار السعري، فإن أي تشديد سريع قد يضغط على الاستثمار والطلب. لكن بقاء التوقعات التضخمية مرتفعة يمنح مؤيدي رفع الفائدة حججا أقوى داخل البنك المركزي.

الذكاء الاصطناعي والاستثمار الرأسمالي يدعمان الآفاق

أظهرت بيانات المسح أن الشركات الكبرى تتوقع زيادة إنفاقها الرأسمالي بنسبة 11.5 في المائة في السنة المالية الحالية المنتهية في مارس 2027، وهو مستوى أعلى من متوسط توقعات السوق البالغ 10.5 في المائة. ويعكس هذا الرقم استمرار شهية الشركات للتوسع والاستثمار، خاصة في التقنيات والإنتاج الصناعي والبنية التحتية التشغيلية.

ويبدو أن قطاع الرقائق الإلكترونية والأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يلعبان دورا محوريا في هذه التوقعات، إذ يواصلان توفير طلب قوي يدعم سلاسل التوريد والإنفاق الصناعي. كما أن تحسن الاستثمار الرأسمالي غالبا ما يُقرأ بوصفه مؤشرا على ثقة الإدارة في آفاق الأرباح والطلب المستقبلي.

السياسة النقدية تحت تأثير الجغرافيا السياسية

أصبح مسار بنك اليابان أكثر تعقيدا بفعل التوترات في الشرق الأوسط وما تسببه من تقلبات في أسعار النفط وتكاليف الشحن، وهو ما يضغط على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود. وفي الوقت نفسه، فإن التضخم في أسعار الجملة وصل إلى 6.3 في المائة في مايو، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات، ما يؤكد أن الشركات بدأت بالفعل في نقل جزء من الأعباء إلى المستهلكين.

وبحسب تقديرات داخل البنك المركزي، فإن معظم الشركات شاركت في المسح قبل اتفاق التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو، ما يعني أن الصورة الاقتصادية قد تكون أكثر حساسية للتطورات اللاحقة. ومع ذلك، فإن القراءة العامة للبيانات لا تزال تميل إلى دعم موقف أكثر تشددا من جانب صناع السياسة النقدية.

احتمالات رفع الفائدة قبل نهاية العام

كان بنك اليابان قد رفع أسعار الفائدة في يونيو إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ 31 عاما، في خطوة تعكس التحول التدريجي بعيداً عن سياسات التيسير الطويلة. ومنذ ذلك الحين، أبقى المسؤولون نبرة حذرة لكن أكثر تشددا، في إشارة إلى أن الباب ما يزال مفتوحا أمام مزيد من الرفع إذا استمرت البيانات في التحسن.

ويرى عدد من المحللين أن البيانات الأخيرة قد تدعم زيادة أخرى للفائدة قبل نهاية العام، وربما في أكتوبر. لكن التوقيت النهائي سيعتمد على تطور التضخم، وحركة الأجور، واستقرار الأسواق العالمية، ومدى استمرار تحسن معنويات الشركات خلال الأشهر المقبلة. وبالنسبة لبنك اليابان، فإن التحدي الأكبر يظل في الموازنة بين احتواء التضخم وعدم خنق التعافي الاقتصادي في مرحلة لا تزال فيها البيئة الخارجية شديدة التقلب.