تعافٍ محدود بعد موجة بيع في أسهم التكنولوجيا
شهدت العقود الآجلة للأسهم الأميركية تحسناً طفيفاً في التداولات المبكرة، بعد جلستين من التراجع الحاد اللتين ضغطتا على أسهم التكنولوجيا، ولا سيما الشركات المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وجاء الارتداد مدفوعاً بعودة بعض المستثمرين إلى اقتناص الفرص في القطاع، رغم استمرار القلق من حجم الإنفاق الرأسمالي المرتفع وتكاليف التمويل.
وأظهرت المؤشرات الأولية أن العقود الآجلة لمؤشر داو جونز سجلت انخفاضاً محدوداً، بينما ارتفعت عقود ستاندرد آند بورز 500 بصورة طفيفة، وصعدت عقود ناسداك 100 بوتيرة أكبر نسبياً. ويعكس هذا التباين حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق بعد خسائر كبيرة أزالت أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية لمؤشر ناسداك 100 في جلسات سابقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه المستثمرون تساؤلات متزايدة حول قدرة موجة الصعود في أسهم الذكاء الاصطناعي على الاستمرار بالوتيرة نفسها، خصوصاً مع ارتفاع الرهانات على تمويل توسعات شركات التكنولوجيا الكبرى عبر الاقتراض، إلى جانب توقعات بمزيد من التشدد من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
رقائق الذاكرة تعود إلى الواجهة قبل إعلان ميكرون
من بين الأسهم التي لفتت الأنظار في ما قبل الافتتاح، أسهم شركات رقائق الذاكرة، بعدما سجلت أسهم ميكرون تكنولوجي وسانديسك ارتفاعات ملحوظة عقب خسائر قوية في الجلسة السابقة. ويترقب المستثمرون نتائج ميكرون، التي يُنظر إليها باعتبارها اختباراً مهماً لاتجاه الطلب على الذاكرة ودوره في دورة الاستثمار الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وقد كانت ميكرون من أبرز المستفيدين من الزخم الذي شهده قطاع أشباه الموصلات هذا العام، إذ ارتفع سهمها بقوة منذ بداية 2026، ما رفع سقف التوقعات قبل إعلان النتائج. إلا أن السوق لا يتعامل مع هذه الأرقام بمعزل عن الحساسية العالية تجاه أي إشارة سلبية تخص الهوامش أو مستويات الطلب المستقبلية.
ويرى محللون أن نتائج الشركة قد تقدم مؤشرات أوضح بشأن مدى استمرارية الإنفاق المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل السباق بين شركات الحوسبة السحابية الكبرى على توسيع قدراتها التخزينية والمعالجة.
الحذر من الفيدرالي يظل عاملاً ضاغطاً
لا تزال السياسة النقدية الأميركية أحد أبرز مصادر الضغط على الأسواق. فالمستثمرون رفعوا تقديراتهم لاحتمال أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام، في ظل بيانات وتصريحات تؤكد أن التضخم لم يصل بعد إلى مستوى مطمئن يسمح بتخفيف القيود المالية.
ويترقب المتعاملون صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم، باعتباره قد يحدد إلى حد كبير المسار المقبل لأسعار الفائدة. وتشير التوقعات إلى إمكانية تسجيل المؤشر ارتفاعاً جديداً، وهو ما قد يعزز سيناريو الإبقاء على السياسة النقدية المشددة لفترة أطول.
ويعني ذلك أن أي تحسن في شهية المخاطرة داخل أسواق الأسهم قد يبقى محدوداً، ما لم تظهر بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع أو إشارات أكثر وضوحاً على تباطؤ التضخم في الأشهر المقبلة.
الأسواق توازن بين الأرباح والمخاطر الجيوسياسية
إلى جانب العوامل النقدية، تتابع الأسواق أيضاً التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي ما زالت تضيف مستوى إضافياً من التوتر إلى معنويات المستثمرين. فالمستقبل القريب لأسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية يظل مرتبطاً إلى حد كبير بمسار هذه التوترات ومدى انعكاسها على سلاسل الإمداد والنقل البحري.
وفي الوقت نفسه، ساهمت التوقعات الإيجابية بشأن الأرباح الفصلية لبعض الشركات في الحد من حدة التراجع العام، كما دعم ذلك الرهان على أن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على تحقيق نمو في الأرباح رغم استمرار ضغوط أسعار الفائدة. وهذا التوازن بين تحسن النتائج التشغيلية والمخاطر الكلية هو ما يفسر التحركات المتقلبة في الأسهم الأميركية.
كما أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 كان يتحرك باتجاه تسجيل أفضل أداء فصلي له منذ سنوات، وهو ما يعكس قوة الزخم السابق في السوق. غير أن هذا الأداء القوي لم يمنع المستثمرين من إعادة تقييم المراكز الاستثمارية عندما بدأت التوقعات ترتفع بشأن استمرار التشديد النقدي.
نتائج الشركات تضيف مزيداً من التباين
على صعيد الشركات الفردية، تعرضت بعض الأسماء لضغوط واضحة بعد تحديثات متباينة بشأن الهوامش الربحية. فقد هبط سهم سيريبراس سيستمز بعد توقعات أضعف لهوامش الربح السنوية، كما تراجع سهم فيديكس إثر إعلان انخفاض هوامش الربح في نشاط التوصيل الأساسي مقارنة بالعام الماضي. وتؤكد هذه التحركات أن الأسواق باتت تدقق أكثر في جودة الأرباح وليس فقط في حجم الإيرادات أو نمو المبيعات.
هذا التباين في أداء الأسهم يعكس مرحلة دقيقة يمر بها المستثمرون، إذ يترجمون أي إشارة متعلقة بالتكاليف أو التمويل أو هامش الربح إلى رد فعل سريع في الأسعار. وفي بيئة كهذه، تصبح نتائج الشركات الكبرى في التكنولوجيا واللوجستيات والرقائق محركاً أساسياً لاتجاهات السوق اليومية.
وبين ارتداد محدود في العقود الآجلة، وترقب لبيانات التضخم، وانتظار لنتائج الشركات الكبرى، تبدو الأسواق الأميركية في حالة إعادة تموضع أكثر منها في حالة صعود واضح. وما تزال التكنولوجيا في قلب المشهد، لكن استمرار الزخم فيها سيعتمد على قدرة الشركات على تبرير الإنفاق الكبير وتحقيق نمو أرباح يتجاوز المخاوف النقدية والتمويلية.